العظمة الحقيقية تبدأ من القلب
Roma

العظمة الحقيقية تبدأ من القلب
مع بداية كل عام جديد، نجد أنفسنا أمام بركاتٍ متجددة، ونِعم إلهية لا تنقطع، وفرص ومراحل جديدة من الحياة.
لكن أعظم حدث يخص البشرية لا يرتبط ببداية العام، بل ميلاد المسيح الذي جاء ليغيِّر مفاهيم البشر
عن العظمة والقوة والسُّلطة.
هذا الحدث يعلمنا أن العظمة الحقيقية ليست في المظاهر أو المال أو المناصب، ليست أيضًا في العَلاقات،
أو عدد الأشخاص الذين يخدموننا، بل في القلب، التواضع، العطاء الصادق
الذي ينبع من أرواحنا، وفي القدرة على إخضاع أنفسنا لله وخدمة الآخرين.
لم يدخل المسيحُ هذا العالمَ بصخبٍ أو بُهرُجٍ خَدَّاع، بل في بساطةٍ، بين رعاةٍ فقراء، وحُكماءٍ من المَشرق؛ ليعلِّمنا أن القيمةَ الحقيقية ليست فيما نملك، بل في المبادئ التي نعيش لأجلها. تمامًا كما جاء في الكتاب المقدس:
«فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هٰذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ
خِلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلَّهِ، لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.» (فيلبي 2: 5-7)
العطاء والإيثار معيار العظمة
يعلِّمنا الميلاد عن العطاء والإيثار، في الوقت الذي فيه كثيرون يظنون أن جَمْع المال، أو الحصول على مكانة اجتماعية، إنَّمَا دليلٌ على العظمة، لكن المسيح أظهر أنها تكمن صراحةً في تقديم النفس للآخرين دون انتظارٍ، أو مُقابِل. كما قال: «لِأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذُلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (متى 20: 28)
الخدمة الحقيقية مفاداها ليس الحصول على تقدير أو شهرة، بل نشر محبة الله ومساعدة الآخرين. فعندما نخدم بمحبةٍ صادقة، نُصبح أدواتٍ لنور المسيح في حياة الناس، نعكس من خلاله قلب الله في أعمالنا اليومية، والعطاء هنا لا يشمل المال فقط، بل الوقت، الجهد، والكلمة الطيبة التي ترفع من حولنا، وتحمل رسالة المسيح لهم.
التواضع والخضوع سر القوة
ميلاد المسيح في مزودٍ بسيط بين رعاةٍ وحكماء، يعلمنا درسا غاليا عظيما، هو أن العظمة في إخضاع القلب لله ولمشيئته، عن طريق اتباع كلمته المقدسة، ومبادئها القادرة على إذابة كل كبرياء، وكل عدم تجاوب مع تشكيل الرب، لنا من خلال روحه القدوس الساكن العامل فينا، ومن خلال الكنيسة، أو الخُدَّام المشيرين الأمناء الأتقياء المشهود لهم.
في هذا المزود لم يفكر أنه ملك الملوك، بل تفكَّر في هدفه الأسمى الذي هو المجيءُ إلى الأرض؛
لتتميم مهمة عظيمة مصيرية مدهشة، فصار التركيز على الجوهر أهم بكثير من المظهر.
لتأخذ العظمة هنا مفهوما ذا بُعدٍ أعمق أكثر شمولية.
كل من يقبل المسيح في قلبه يعيش العظمة الحقيقية: تواضعًا، محبةً، وخدمةً صادقة للآخرين.
أثبتَ المسيح لنا جميعًا أن من أراد أن يكون عظيمًا بين الناس،
عليه أن يكون خادمًا، وأن يقدم نفسه للآخرين بمحبة متواضعة، بعيدًا عن الرغبة في التقدير أو الهيبة.
العظمة في حياة يومية بسيطة
ليس المطلوب أن نكون قادة أو أثرياء لنعيش العظمة الحقيقية. حتى أصغر الأعمال اليومية يمكن أن تكون علامات على قلب متواضع ومحِب، مثل مساعدة جار محتاج، تقديم كلمة طيبة لشخص حزين، أو حتى مشاركة لحظة صادقة مع أسرتنا. هذه الأفعال الصغيرة هي انعكاس لميلاد المسيح في قلوبنا، حيث نعيش مثل المسيح بتواضع وخدمة ومحبة.
خاتمة
عَلَّمنا الربُّ أنَّ العظمة الحقيقية تُولد في القلب، حينما يصبح الإنسان بسيطًا، مُحِبًا، خادمًا؛ فتُصبح حياتُه مليئةً بالمعنى والنور والسلام. فلنفتح قلوبنا للمسيح في هذا العام الجديد، لنعيش مثله، وننشر محبته، ونوره في كل مكان.
لنكن رُسلًا لحكمته في حياتنا اليومية، مهما كانت الظروف أو المراحل التي نمر بها.
· الكاتب/ الدكتور القس هاني ظريف – راعي الكنيسة الإنجيليَّة بالملك الصالح