الرسول والأصنام
Roma

الرسول والأصنام
انتشرت قديمًا عبادة الأصنام الوثنية والتماثيل، وهي لم تكن حجرًا مصنوعًا فحسب، بل كان لها تأثيرٌ كبيرٌ من الضلال على البشر، وهذا لم يرجع لقوة روحية فيها؛ بل لضلال الشيطان للبشر؛ لخداعهم بأن هذه الأصنام هي آلهة. فتبنَّى الإنسان فلسفاتٍ كثيرةً في تكوين طقوس وممارسات لعبادة تلك الأصنام، وجميعها مرتبطة بنجاسات وخمور وسُكر؛ قاد فيها إبليس مسرح الأحداث مُصدِّرًا تلك الأصنام الحجرية والمسبوكات في المشهد، بينما يتخفَّى هو من وراء الستار مضللًا للبشر بعيدًا عن الإله الحقيقي.
لذلك قدَّم بولس الرسول تعاليمَ هامة أثناء رحلاته التبشيرية بالرب يسوع المسيح ضد عبادة الأوثان في القرن الأول الميلادي، ولاسيما في المدن الرومانية واليونانية التي كانت فيها عبادات متعددة لأوثان شهيرة، حيث رأى الرسول أن الشعائر والممارسات التي تُقدم وتُقام أمام تلك الأصنام لا تتوافق مع وصايا العبادة المسيحية التي تُحرم الزنا والسكر بالخمر والخلاعة والهزل.
وكانت هناك بعض المعابد الوثنية الشهيرة في المدن التي كرز بها الرسول بولس بالمسيح:
معبد أرطاميس في مدينة أفسس:
تقع مدينة أفسس في آسيا الصغرى وكانت تقام في هذا المعبد احتفالاتٌ دينية وذبائح للوثن وموسيقى وطقوس خاصة بخصوبة الرجال والنساء، ويأتي الرسول بولس مؤكدًا أن أرطاميس ليست آلهة حينما قال:
“وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَتَسْمَعُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفَسُسَ فَقَطْ، بَلْ مِنْ جَمِيعِ أَسِيَّا تَقْرِيبًا، اسْتَمَالَ وَأَزَاغَ بُولُسُ هذَا جَمْعًا كَثِيرًا قَائِلًا: إِنَّ الَّتِي تُصْنَعُ بِالأَيَادِي لَيْسَتْ آلِهَةً” (أعمال الرسل 19: 26).
معبد أفروديت في كورنثوس:
كورنثوس مدينة يونانية فيها معابد للوثن، أشهرها لأفروديت وكانت تُقدَّم لها الذبائح الحيوانية وحفلات الجنس الجماعي والولائم وبيع اللحوم الزائدة للناس. ويأتي الرسول بولس ناهيًا أهل كورنثوس عن أكل ما ذُبِحَ للوثن وعن الاشتراك في هذه العبادات ناهيك عن الزنا والسلوكيات اللاأخلاقية المرتبطة بها.
معبد أثينا والإله المجهول
وكانت أثينا مدينة الفلسفة والحكمة العالمية وكان قاطنوها يعبدون أوثانًا متعددة مثل أبوللو وأثينا وزيوس بينما يرى بولس وسط الأصنام، صنمًا مكتوبًا عليه “لإله مجهول” ليلفت انتباه الناس عن إله يعبدونه بينما يجهلونه، ويجد من ذلك مدخلًا ليوجه الناس ويبشرهم بيسوع المسيح وقيامته من الأموات. “وَبَيْنَمَا بُولُسُ يَنْتَظِرُهُمَا فِي أثِينَا احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ، إذْ رَأَى الْمَدِينَةَ مَمْلُؤَةً أصْنَامًا” (أعمال الرسل 17: 16).
وقدَّم بولس تعاليمَ في مدنٍ كثيرة كانت غارقةً في عبادة الأوثان، وأوضح بولس أن الأوثان ليست آلهة حقيقية بل الإله الحقيقي هو الله. “مِنْ جِهَةِ أكْلِ مَا ذُبحَ لِلأوْثَانِ: نَعْلَمُ أنْ لَيْسَ وَثَنٌ فِي الْعَالَمِ، وَأنْ لَيْسَ إلهٌ آخَرُ إلاَّ وَاحِدًا” (1 كورنثوس 8: 4)؛ فهي مصنوعات بأيادٍ بشرية كما أنها لا تملك قوة ولا تأثيرًا على البشر.
بل ويوضح بولس أيضًا بأن مشاركة أي مسيحي في هذه الشعائر الوثنية يعد مشاركة في أعمال الشياطين إذ نهى من آمنوا بالرب يسوع المسيح أن يشتركوا فيها.
“بَلْ إنَّ مَا يَذْبَحُهُ الأمَمُ فَإنَّمَا يَذْبَحُونَهُ لِلشَّيَاطِينِ، لاَ للهِ. فَلَسْتُ أرِيدُ أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ شُرَكَاءَ الشَّيَاطِينِ” (1 كورنثوس 10: 20). حيث إن الشعائر التي تُمارَس أثناء عبادتها وكذلك الفجور والمجون، تنتمي لقوى الشر الشيطانية، التي تقيد البشر بقوى السحر والنجاسة التي كانت منتشرةً بدرجة كبيرة في تلك الآونة.
كما يرفض الرسول بولس أيضًا في الحياة العملية والسلوك المسيحي أن يكون هناك ارتباط أو شركة ما. “لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإثْمِ؟ وَأيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأوْثَانِ؟ فَإنَّكُمْ أنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: «إنِّي سأسْكُنُ فِيهِمْ وَأسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأكُونُ لَهُمْ إلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا” (2 كورنثوس 6: 14- 16).
لذلك يدعو بولس لعدم الاشتراك في العبادات الوثنية حيث قدَّم الله إعلانًا كاملًا عن نفسه في يسوع المسيح الإله الذي أحبَّ أن يشعر بكل مشاعر البشر متجسدًا ويجتاز كل آلامهم ويرفع عنهم خطيتهم ويأتي بهم لكل الحق. “لأنَّهُمْ هُمْ يُخْبِرُونَ عَنَّا، أيُّ دُخُول كَانَ لَنَا إلَيْكُمْ، وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إلَى اللهِ مِنَ الأوْثَانِ، لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ، وَتَنْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي أقَامَهُ مِنَ الأمْوَاتِ، يَسُوعَ، الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي” ( 1تسالونيكي 1: 9)
لذلك فإنه حينما يتقلد المسيحيون الصليب فإنه رمز للافتخار، وكلمة الصليب تحمل قوة للخلاص ولكن العبادة لله وحده في المسيح يسوع.
“وَأمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أنْ أفْتَخِرَ إلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأنَا لِلْعَالَمِ.” (غلاطية 6: 14).
لذلك هي فرصتك صديقي أن ترجع إلى الله، تمامًا كما نادى الرسول بولس في رحلاته التبشيرية بالرب يسوع المسيح وموته وقيامته، داعيًا أن يرجع السامعون عن عبادة الوثن، الذي هو كل أولوية تقدسها وتجلها وتقدمها في مكانتها عن الله، وعن كل ممارسات وشعائر يبدو في ظاهرها أنها تُقدَّم للإله ولكنها ليست كذلك، والقادر أن يخلصك منها هو الرب يسوع المسيح الذي خلَّص كثيرين وفك قيودهم آتيًا بهم إلى الحق.
الكاتب: الدكتور الشيخ/ سامح فيليب