كنز الأجيال في جيبك
Roma

كنز الأجيال في جيبك
نعيش اليوم مفارقة تاريخية غريبة؛ فبينما يمتلك جيلنا أسهل طرق الوصول إلى “كلمة الله” في التاريخ البشري، إلا أننا قد نكون الأقل قراءة وفهمًا لعمقها وتاريخها. إن الكتاب المقدس الذي يستقر بسلام داخل تطبيق على هاتفك الذكي، ليس مجرد كتاب ديني، بل هو “معجزة” اخترقت التاريخ، وصمدت أمام النيران، ووصلت إليك كاملة لتستقر في جيبك.
في هذه المقالة، نربط بين محورين عظيمين لا ينفصلان: لماذا نؤمن بهذا الكتاب ونثق في أمانة نصوصه؟ وكيف نستخدم تكنولوجيا العصر لنحيا به؟
المحتوي
أولًا: لماذا نؤمن؟ (الصخرة التي لا تتزعزع)
قبل أن نتحدث عن “سهولة الوصول” للكتاب، يجب أن نتحدث عن “قيمة” الكتاب. لماذا نثق أن ما نقرأه اليوم على الشاشة هو نفسه ما كُتب قبل آلاف السنين؟
1. وحدة عضوية مذهلة:
تخيل كتابًا كتبه أكثر من 40 كاتبًا، بينهم الملك والصياد، الطبيب والراعي، الفيلسوف وجابي الضرائب. كتبوه في ثلاث قارات مختلفة (آسيا، أفريقيا، أوروبا)، وبثلاث لغات (العبرية، الآرامية، اليونانية)، وعبر فترة زمنية تجاوزت 1500 عام. المنطق يقول إن النتيجة ستكون “فوضى فكرية عارمة”، لكن الواقع هو كتاب واحد، بخط روحي واحد، يروي قصة فداء واحدة من التكوين للرؤيا. هذه الوحدة ليست بشرية؛ إنها بصمة “وحي إلهي”.
2. أمانة الحفظ والمخطوطات:
عندما يسأل أحدهم: “هل تم تحريف الكتاب؟”، يرد التاريخ بقوة. نحن نمتلك للكتاب المقدس مخطوطات تفوق أي كتاب قديم آخر. يوجد أكثر من 24,000 مخطوطة وجزء من العهد الجديد وحده، مقارنة بـ 643 مخطوطة فقط لإلياذة هوميروس (التي لا يشكك فيها أحد!). اكتشافات مثل “مخطوطات وادي قمران” جاءت لتغلق الأفواه، حيث أثبتت أن نسخة سفر إشعياء التي بين أيدينا اليوم تطابق ما كان موجودًا قبل ميلاد المسيح بقرون. إن الله الذي أوحى بالكلمة، كان أمينًا وقادرًا على حفظها عبر العصور.
ثانيًا: من أوراق البردي إلى “البيكسل” (رحلة الوصول)
لقد دفع أجدادنا دماءهم ثمنًا للحصول على صفحة واحدة من هذا الكتاب. في عصور الظلام،
كان امتلاك الكتاب المقدس جريمة، وكان نَسْخُه يحتاج لسنوات من العمل اليدوي الشاق في الأديرة. مثلًا ويليم تيندال، المصلح الشهير،
أُحرق حيًا فقط لأنه أراد ترجمة الكتاب للغة يفهمها عامة الشعب.اليوم، تغيَّر المشهد تمامًا.
ذلك الكتاب الذي كان وزنه ثقيلًا وحَمله خطيرًا، أصبح وزنه “صفر جرام”
وموجودًا في جيبك عبر هاتفك المحمول.
ثالثًا: التكنولوجيا.. خادم أم سيد؟
الهاتف الذكي سيفٌ ذو حدين؛ إما أن يكون أداة تشتيت تسرق وقتك، أو أداة نمو تبني إنسانك الباطن. كيف نحول التكنولوجيا لأداة نمو روحي؟
1. إلغاء حجة “لا يوجد وقت”:
تطبيقات الكتاب المقدس المسموع حطمت هذه الحُجَّة. إذ يمكنك الآن الاستماع لعدة إصحاحات وأنت في المواصلات، أو أثناء ممارسة الرياضة، أو القيام بالأعمال المنزلية. التكنولوجيا سمحت للكلمة أن تخترق أوقاتنا “الميتة”.
2. أدوات البحث والمقارنة:
قديمًا، كان البحث عن كلمة “رجاء” في الكتاب المقدس يتطلب ساعات ومراجع ضخمة. اليوم، بضغطة زر، يمكنك معرفة كم مرة ذُكرت الكلمة، وقراءة النص بترجمات مختلفة لتعميق الفهم. التكنولوجيا جعلت “الدراسة العميقة” متاحة للعوام وليس فقط لعلماء اللاهوت.
3. الخطط والالتزام:
التطبيقات توفر خطط قراءة (سنوية، أو موضوعية عن القلق، الخوف..). التنبيهات (Notifications) التي تذكرك بالقراءة لم تعد مجرد إزعاج،
بل هي “جرس كنيسة” صغير يدعوك للخلوة وسط صخب اليوم.
الخلاصة: الامتياز والمسؤولية
نحن نقف أمام حقيقة مهيبة: الله حفظ كلمته بمعجزة عبر التاريخ (لماذا نؤمن)، ووضعها بين يديك بأسهل وسيلة في الحاضر (التكنولوجيا).
إن الخطر الحقيقي الذي يواجهنا ليس “تحريف النصوص” بل “إهمال النصوص”. ما الفائدة من امتلاك كتاب موثوق بنسبة 100%، ومتاح بنسبة 100%، إذا كان استخدامه 0%؟
إن وجود الكتاب المقدس في جيبك هو “حُجَّة” عليك يوم الدينونة بقدر ما هو “امتياز” لك اليوم. لا تدع هذا الكنز مدفونًا تحت طبقات من تطبيقات التواصل الاجتماعي والألعاب.
دعونا نستخدم هواتفنا لشيءٍ أبقى وأخلد. بدلًا من أن يكون الهاتف نافذةً نطل منها على تفاهات العالم، لنجعله نافذة يطل منها الله على قلوبنا كل يوم. الكلمة قريبة منك جدًا.. في فمك،
وفي قلبك، والآن.. في جيبك.
الكاتب/ مينا نبيل