رحلة من اليأس إلى المَجد
Roma

رحلة من اليأس إلى المَجد
الحياة المسيحيَّة ليست مجرد شعائر أو طقوس،
بل هي عَلاقة حيَّة مع الله تتطلب طاعةً ووفاءً وقداسة.
بقوةٍ تُذكِّرنا قصة ناداب وأبيه التي وَرَدَ ذِكْرُها في سفر اللاويين الإصحاح العاشر،
بأهميَّة اتباع تعليمات الله بدقة.
ففي اليوم الثامن من رسامة هارون وبنيه للكهنوت، قدَّم ناداب وأباه، نارًا غريبة لم يأمرهما بها الله، وانتهت حياتهما بشكلٍ مأساوي. وهذه القصة ليست مجرد حدث تاريخي، بل تحمل دروسًا روحانيَّة عميقة يمكننا تطبيقها في حياتنا اليوميَّة؛ لتُصبح عبادتُنا لله وطاعتنا له مقبولةً وصافية، خاليةً من أي تشويش أو مصالحَ شخصيَّة.
سنتناول في هذا المقال ثلاثة مبادئ رئيسيَّة مُستخلَصَة من هذه القصة، تساعدنا على العيش وفق مشيئة الله وتحقيق العَلاقة الصحيحة معه.
الطاعة في العبادة
أول درس واضح من حادثة ناداب وأبيه هو أن طاعتنا للرب في العبادة ليست اختياريَّة، بل هي شرطٌ أساسي لعلاقتنا معه. وتقديم النار الغريبة يوضح أن ممارسة العبادة بطريقة غير صحيحة، مهما كانت النوايا حسنة، ليس مقبولًا أمام الله.
“وَأَخَذَ ابْنَا هَارُونَ: نَادَابُ وَأَبِيهُو، كُلٌّ مِنْهُمَا مِجْمَرَتَهُ وَجَعَلاَ فِيهِمَا نَارًا وَوَضَعَا عَلَيْهَا بَخُورًا، وَقَرَّبَا أَمَامَ الرَّبِّ نَارًا غَرِيبَةً لَمْ يَأْمُرْهُمَا بِهَا.” (لاويين 10: 1)
في حياتنا اليوميَّة، قد نجد أنفسنا أحيانًا نقدم عبادتنا بطريقة خاطئة، مثل التركيز على إرضاء الآخرين أو الحصول على منافع شخصيَّة بدلًا من قلب مليء بالخضوع والفرح بحضور الله.
تَظهَر الطاعة الحقيقيَّة حين نعبد الله كما أمر، ليس كما نريد نحن، وفي كل فعل نقدمه يجب أن يكون مركز انتباهنا الله وحده. من خلال تطبيق هذا المبدأ، نُصبح قادرين على تقديم عبادة صافية، تسمو فوق الرغبات الشخصيَّة، وتجعل حضورنا أمام الله مقبولًا ومباركًا.
القداسة في الحياة
المبدأ الثاني الذي نتعلمه من هذه القصة هو القداسة الشخصيَّة. الله قدوس، ويطلب مِن كل مَن يقترب إليه أن يعيش حياة مقدسة. القداسة ليست مجرد شعور أو فكرة، بل هي أسلوب حياة يعكس مجد الله أمام العالم.
“فَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «هذَا مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ قَائِلًا: فِي الْقَرِيبِينَ مِنِّي أَتَقَدَّسُ، وَأَمَامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ أَتَمَجَّدُ». فَصَمَتَ هَارُونُ.” (لاويين 10: 3).
القداسة تحمي علاقتنا بالله من الانحراف، وتُجنِّبنا عواقب الخطيَّة، تمامًا كما حصل مع آدم بعد السقوط. حين نعيش حياة مقدسة، نكون قادرين على رؤية مجد الله في كل موقف، ونُصبح قدوةً للآخرين في السلوك والتصرفات.
السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا يوميًا: هل حياتنا تعكس قداسة الله وتمجيده في كل ما نقوم به؟
هل نحاول أن نعيش في طاعة وخضوع، أم إن ممارساتنا اليوميَّة تُبعدنا عن حضوره؟
لهذا يَعني تطبيق القداسة أن نختار كل يوم أن نحيا وفق إرادة الله، في أفكارنا وأقوالنا وأعمالنا، حتى في أبسط الأمور التي قد نغفل عنها.
اليقظة الروحيَّة والجسديَّة
المبدأ الثالث هو اليقظة الدائمة، روحيًا وجسديًا. الله يريد ِمنا أن نكون يقظين في كل أفعالنا، وأن نمتنع عن أي ما قد يعطل علاقتنا به. يوضح تعليم موسى لشعبه بعدم شرب الخمر قبل الخدمة، أنَّ اليقظة الروحيَّة والجسديَّة ضروريَّة للعيش وفق إرادة الله.
“خَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ تَشْرَبْ أَنْتَ وَبَنُوكَ مَعَكَ عِنْدَ دُخُولِكُمْ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِكَيْ لاَ تَمُوتُوا. فَرْضًا دَهْرِيًّا فِي أَجْيَالِكُمْ” (لاويين 10: 9).
تَعني اليقظة الروحيَّة أن نحافظ على قلبٍ صافٍ وعقلٍ متيقظ، بعيدًا عن الملهيات والأمور التي تشغلنا عن علاقتنا بالرب. أمَّا اليقظة الجسديَّة تعني أن نعتني بصحتنا وقدرتنا على خدمة الله بكامل طاقتنا. عندما نجمع بين اليقظة الروحيَّة والجسديَّة، نُصبح أكثر استعدادًا لمواجهة التحديات، وأكثر قدرةً على تقديم عبادتنا كما أمر الله، والعيش حياة متزنة مقدسة، تجعل مجد الله ظاهرًا في كل مكان نذهب إليه.
خاتمة
قصة ناداب وأبيه تعلمنا ثلاثة مبادئ أساسيَّة: الطاعة في العبادة، القداسة في الحياة، واليقظة الروحيَّة والجسديَّة.
وكل مبدأ إنَّما يذكرنا بأهميَّة التمسك بتعاليم الله في كل تفاصيل حياتنا، ويحثنا على تقديم عبادة مقبولة، تعكس مجده وتفرح قلبه.
لنراجع حياتنا اليوم: هل نقدِّم نارًا غريبة أم نعيش وفق مشيئة الله؟ هل حياتنا تعكس مجد الله أمام الآخرين؟
• الكاتب/ الدكتور القس هاني ظريف – راعي الكنيسة الإنجيلية بالمقطم
• التصنيف/ (موحدون أم مشركون – قضايا فكرية)