رسالة من شجرة يابسة
Roma

رسالة من شجرة يابسة
قصة شجرة التين التي لعنها الرب يسوع ليست عملًا عاطفيًّا أو اندفاعًا لحظيًّا، بل درسًا روحيًّا عميقًا موجَّهًا لكل إنسان،
ولكل جماعة تؤمن بالله شكلًا دون ثمر حقيقي في الحياة. في إنجيل مرقس ١١ نقرأ أن الرب يسوع اقترب من شجرة تين “لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ الْوَقْتُ لِلْتِّينِ“،
بل لأنه رأى أوراقها الكثيرة؛ فظنَّ أن فيها براعمَ صغيرةً تؤكد وجود ثمرٍ، لكنَّه لم يجد إلا ورقًا.
ومن هنا انطلقت اللعنة كرمزٍ للدينونة على الرياء والعبادة الظاهرية الخالية من الحياة.
Ø شجرة التين ورمز الأمة
كانت شجرة التين في الكتاب المقدس رمزًا متكررًا لشعب إسرائيل، كما قال الرب على فم هوشع:
“رَأَيْتُ آبَاءَكُمْ كَبَكُورَةٍ عَلَى تِينَةٍ فِي أَوَّلِهَا“هوشع ٩: ١٠.
فكما كان يُنتَظر من التينة أن تحمل ثمرًا، كان يُنتَظر من الأمة أن تثمر في حياة التقوى والطاعة. لكنها اكتفت بالمظاهر الدينية،
بالهيكل والذبائح والصلوات الشكلية، بينما غاب جوهر الإيمان. لذلك عندما جاء المسيح، لم يجد فيهم ثمر التوبة ولا المحبة ولا الإيمان الحي،
بل وجد ورقًا كثيرًا دون حياة.
Ø دينونة على الرياء
لم تكن لعنة يسوع للتينة عقوبةً عشوائية، بل رسالة رمزية قوية. فالرب لم يلعن الشجرة لأنها لم تحمل ثمرًا في غير أوانه،
بل لأنها أظهرت مظهرًا خادعًا يوهم بوجود الحياة بينما كانت عقيمًا. وهكذا كان حال الأمة التي امتلكت الناموس والأنبياء والمواعيد لكنها لم تُثمر ثمر البر.
لقد قال الرب في المثل الآخر: «اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلًا، فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَرًا، وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا» (لوقا ١٣: ٨-٩).
الله يعطي فرصًا كثيرة للإنسان كي يثمر، لكنه في النهاية يطلب ثمرًا حقيقيًّا. وإن لم يجد، فستأتي الدينونة كما أتت على التينة اليابسة.
Ø رسالة للمؤمن اليوم
هذا المشهد ليس مجرد حدثٍ في التاريخ، بل تحذير حي لكل كنيسة ولكل نفسٍ مؤمنة. فكم من أشخاصٍ يبدون في نظر الآخرين متدينين،
لكن قلوبهم بعيدة عن الله! كم من خادمٍ يعمل كثيرًا ظاهريًّا دون علاقة حيَّة مع الرب!
الله لا يطلب أوراقًا من مظاهر أو كلمات أو شعارات، بل يطلب ثمرًا صادقًا في حياتنا: ثمر توبة، وثمر محبة، وثمر إيمان عامل.
والرب يسوع نفسه قال: «بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، فَتَكُونُوا تَلاَمِيذِي» (يوحنا ١٥: ٨).
فالسؤال الجوهري اليوم: إن جاء الرب يسوع إلى حياتي، هل يجد ثمرًا فيها، أم يجد مجرد أوراق جميلة دون حياة؟
Ø دروس مستفادة
من هذا الحدث الإلهي نتعلم أن الله لا ينخدع بالمظاهر، بل يفحص القلوب. فالإيمان الذي لا يُثمر أعمالًا صالحة هو إيمان ميت.
كما نتعلم أن الفرص الإلهية ليست بلا نهاية؛ لأن الله طويل الأناة لكنه أيضًا عادل.
التينة اليابسة تذكِّرنا أن الحياة مع الله ليست طقوسًا ولا عادات، بل علاقة حقيقية تُنتج ثمرًا ملموسًا في السلوك والكلام والمشاعر.
الله ينتظر منا أن نكون سبب بركة لمن حولنا، لا مجرد منظر جميل بلا تأثير.
كما أن كل كنيسة، وكل خادم، مدعوٌّ لأن يراجع نفسه: هل ما أفعله للرب نابع من محبَّة حقيقية أم من شكلٍ خارجي فقط؟
حين يمرُّ يسوع في بستان حياتنا، لا يطلب زينةً أو أوراقًا، بل ثمرًا يمجِّد الآب في السماء. لذلك لنجعل قلوبنا أرضًا خصبة للروح القدس،
ولنتجاوب مع دعوته كي نحمل ثمر التوبة والإيمان والمحبة.
فالرب لا يبحث عن الكثرة، بل عن الصدق. وكل نفس مثمرة تُسِرُّ قلب الله وتُعلن مجده أمام العالم.
Ø خاتمة
شجرة التين التي يبست لم تكن سوى إعلانٍ إلهي بأن الدين بلا ثمر لا يُسِرُّ الله، وأن الرياء الروحي يقود إلى الجفاف والموت.
دعونا نفتح قلوبنا أمام الرب ونطلب منه أن يزرع فينا ثمر الروح: المحبة، والفرح، والسلام، والإيمان، وأن يجعل حياتنا شهادة حيَّة لمجده.
فلا نكتفي بالورق، بل لنثمر ثمرًا يليق بتوبة حقيقية، لكي يجد السيد فينا حين يأتي ما يفرحه.
هل يجد يسوع ثمرًا في حياتك اليوم؟ !
· الكاتب/ الدكتور القس هاني ظريف – راعي الكنيسة الإنجيلية بالملك الصالح