يَقود التاريخ بحكمة
Roma

يَقود التاريخ بحكمة
حين نتأمَّل في كلمات سفر الجامعة، نكتشف أن الكاتب يرسم لنا صورة مدهشة عن شخص الله، تبدأ من إعلان بسيط لكنه عميق:
الله هو الخالق. يقول الكتاب:
«كَمَا أَنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُ مَا هِيَ طَرِيقُ ٱلرِّيحِ وَلَا كَيْفَ ٱلْعِظَامُ فِي بَطْنِ ٱلْحُبْلَى، كَذَلِكَ لَا تَعْلَمُ أَعْمَالَ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَصْنَعُ ٱلْجَمِيعَ» (جامعة ١١ : ٥).
هذه الحقيقة البسيطة تحمل طمأنينة عميقة: فالله الذي خلق الكون من العدم قادر أن يُعيد النظام إلى حياتنا المربكة، وأن يُحوِّل الخراب إلى جمال.
كم من لحظات شعرنا فيها أن حياتنا خرجت عن السيطرة، وأن لا معنى لما نمرُّ به! لكنَّ الله الخالق يستطيع أن «يَصْنَعَ أَمْرًا جَدِيدًا» كما وعد:
«هَئَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا. الآنَ يَنْبُتُ، أَلاَ تَعْرِفُونَهُ؟» (إشعياء ٤٣ : ١٩). إنه الإله الذي لا يتعب من الخلق،
والذي يصنع دومًا من العدم حياةً جديدةً ومعنى متجدِّدًا.
يُدبِّر كل شيء للخير
في موضع آخر، يعلن كاتب سفر الجامعة أن الله صاحب السلطان على كل ما يجري تحت السماء. إذ يقول:
«لِأَنَّهُ يُعْطِي ٱللّٰهُ ٱلْإِنْسَانَ ٱلصَّالِحَ قُدَّامَهُ حِكْمَةً وَمَعْرِفَةً وَفَرَحًا،
وَأَمَّا ٱلْخَاطِئُ فَيُعْطِيهِ شُغْلَ ٱلْجَمْعِ وَٱلتَّكْوِينِ لِيُعْطِيَ لِلصَّالِحِ قُدَّامَ ٱللّٰهِ» (جامعة ٢ : ٢٦).
يسود الله على التاريخ وعلى تفاصيل الحياة، لا يفلت من يده شيء، حتى ما يبدو مؤلمًا أو غير مفهوم.
كما قال الرسول بولس: «وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ ٱللّٰهَ» (رومية ٨ : ٢٨).
إيماننا بسيادة الله لا يُلغِي ألمنا، لكنه يمنحنا راحة في وسط الاضطراب. فحتى حين لا نفهم، نعلم أن «الله يعمل بمهارة كخالق عظيم خلف كل الأحداث».
فوق الزمان يقود التاريخ بحكمة
من أجمل الصور التي يقدمها سفر الجامعة عن الله أنه ربُّ الزمان. يقول:
«صَنَعَ ٱلْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ ٱلْأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ ٱلَّتِي بِلاَهَا لَا يُدْرِكُ ٱلْإِنْسَانُ ٱلْعَمَلَ ٱلَّذِي يَعْمَلُهُ ٱللّٰهُ مِنَ ٱلْبَدَايَةِ إِلَى ٱلنِّهَايَةِ»
(جامعة ٣ : ١١).
الله يرى الماضي والحاضر والمستقبل دفعة واحدة، يقود الزمان بحكمة كاملة. وهو الذي دخل بنفسه إلى التاريخ في ملء الزمان
حين أرسل ابنه مولودًا من امرأة، ليصالح العالم معه.حين نثق في الله، نرتاح من عبء الزمن؛
لأن حياتنا ليست سلسلة مصادفات، بل فصول من قصة يكتبها إلهٌ أمين يرى النهاية منذ البداية.
ديَّان عادل يفحص القلوب
الصورة الأخيرة التي يقدمها سفر الجامعة عن الله هي أنه الديَّان العادل.
«قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُهُ ٱللّٰهُ أَنَّهُ يَكُونُ إِلَى ٱلْأَبَدِ، لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَأَنَّ ٱللّٰهَ عَمِلَهُ حَتَّى يَخَافُوا أَمَامَهُ» (جامعة ٣ : ١٤).
الخشية من الله ليست خوفًا يعزلنا عنه، بل رهبة تُقدِّس العلاقة وتُبقي القلب متواضعًا. فالله سيُقيم الديَّان العادل في النهاية، الذي
«يَدِينُ ٱلصِّدِّيقَ وَٱلشِّرِّيرَ» (جامعة ٣ : ١٧).
لكن المؤمن الذي اتَّحد بالمسيح لا يُدان للدينونة الأبدية، بل يُكافَأ بحسب الأمانة؛ لأن الإله الذي خلَّصه هو أيضًا الإله العادل الذي يُقوِّمه ويُنقِّيه في محبته.
خاتمة
ما أروع أن نتأمل الله كما يقدمه سفر الجامعة: الخالق، والسيِّد، وربُّ الزمان، والديَّان العادل.
هو الإله الذي لا يترك العالم للفوضى، بل يُدخل الجمال في كل فوضى، والنور في كل ظلمة.
وإن كنت في مرحلة ارتباك أو ضعف، تذكَّر أن الله الذي خلقك هو نفسه الذي يقود أيامك ويمسك بزمام حياتك، ليُخرج من قصتك خيرًا مجيدًا.
الكاتب/ الدكتور القس هاني ظريف – راعي الكنيسة الإنجيلية بالملك الصالح