مبشرٌ في القارة السمراء

Roma
مبشرٌ في القارة السمراء

مبشرٌ في القارة السمراء

وتمَّتْ مهمةُ فيلبسَ؛ لقدْ أصبحَ الخصيُّ الحبشيُّ ضمنَ عائلة المسيح، ويقولُ سفرُ الأعمال، إنَّ بعدَ  تعميدُ الخصيّ، “اخْتَطَفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ، فَلَمْ يَرَهُ الْخَصِيُّ بَعْدَ ذلِكَ، وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا” (أعمال الرسل 8: 39). وهذا النصُّ يشيرُ بوضوح إلى أنَّ فيلبسَ والخصيَّ افترقا بعدَ العماد، وفي الحقيقة فكرةُ أنَّ الروحَ يختطفُ فيلبسَ فكرةٌ غامضةٌ بعضَ الشيء؛ ولكنْ ما أعرفُهُ أنَّ الخصيَّ لمْ يعدْ يرى فيلبسَ، لقدْ ذهبَ تمامًا كما جاءَ.

جاءَ محملًا برسالة، وذهبَ تاركًا الفرحَ في قلب الخصيّ الحبشيّ، ورافقَ سفرُ الأعمالِ فيلبسَ في رحلته، ولكني أريدُ أنْ أرافقَ الخصيَّ الحبشيَّ لفترة منَ الزمن، حاولتُ أنْ أذهبَ معَهُ للحبشة، بحثتُ في كتب التقليد والقواميس، لِنَرَ تلكَ الكنيسةَ التي بدأَتْ في الحبشة،

والتي كانَ الخصيُّ أولَ راعٍ لها. لِنَبْدَأْ منَ البداية.

إذًا، إلى أينَ اتجهَ الخصيُّ؟ يشيرُ التقليدُ المسيحيُّ بشكل قاطع إلى أنَّ الخصيَّ الحبشيَّ عادَ إلى بلاده، الحبشة (إثيوبيا حاليًّا). ويعتبرُ التقليدُ الإثيوبيُّ أنَّ هذا الخصيَّ هو أولُ مبشر بالإنجيل في الحبشة. بعدَ أنِ اختبرَ قوةَ المسيح في حياته، عادَ إلى بلاده وهو يحملُ هذهِ البشارةَ السارةَ. يُقالُ إنَّهُ بشَّرَ بينَ المسؤولينَ والمواطنينَ، وشهدَ لإيمانه الجديد بشجاعة.

يُنسبُ إليهِ التقليدُ دورًا هامًّا في إدخال المسيحية إلى الحبشة. يُعْتَقَدُ أنَّهُ زرعَ البذورَ الأولى للإيمان المسيحيّ الذي ترسَّخَ وتطورَ لاحقًا في الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية التوحيدية، وهي واحدةٌ منْ أقدم الكنائس المسيحية في العالم. منَ الجدير بالذكر أنَّ المصادرَ الكتابيةَ لا تقدمُ تفاصيلَ إضافيةً عنْ حياة الخصيّ بعدَ لقائه بفيلبسَ؛ لكنَّ هذا الصمتَ في الكتاب المقدس لا يمنعُ التقليدَ منْ تقديمِ صورةٍ حيةٍ ومؤثرةٍ لدوره المحتمل في نشر الإيمان في أفريقيا.

إنَّ قصةَ هذا الخصيّ هي شهادةٌ قويةٌ على أنَّ كلمةَ اللهِ لا تعرفُ حدودًا جغرافيةً أو عرقيةً أو اجتماعيةً؛ فالشخصُ الذي كانَ في يوم منَ الأيام غريبًا عنِ الإيمان، أصبحَ رسولًا لهُ في أرض بعيدة، ليثمرَ لقاؤُهُ بفيلبسَ ثمارًا عظيمةً عبرَ القرون. في الواقعِ لقدْ رأيتُ الروحَ القدسَ الذي أرسلَ فيلبسَ فجأةً للصحراء ليرسلَ رسالةً لشخص لمْ يفهمْ أبسطَ نبواتِ إشعياءَ إلا بعدَ أنْ شرحَها لهُ فيلبسُ؛ لكي يؤسسَ كنيسةً كبيرةً في بلد غريب.

في الواقعِ لا يوجدُ أيُّ حلٍّ سوى أنَّ الروحَ القدسَ تعاملَ بنفسهِ معَ الخصيّ الحبشيّ ووضعَ الكلماتِ في فمه؛ لتكونَ عليهِ هو العلاقاتُ بما أنَّهُ صاحبُ منصب رفيع في البلد، والروحُ يبشرُ ويخلقُ جسدًا للمسيح في الحبشة. إنَّها كنيسةُ الحبشة.

وعلى الرغم منْ أنَّ التحولَ الرسميَّ للمملكة جاءَ في القرن الرابع، إلا أنَّ قصةَ الخصيّ تظلُّ علامةً مبكرةً وهامةً على وصولِ الإيمانِ المسيحيِّ إلى هذهِ المنطقة. إنَّها قصةٌ ترمزُ إلى انفتاحِ إفريقيا على رسالة الإنجيل منذُ الأيامِ الأولى للكنيسة. لقدْ كانَ الخصيُّ الحبشيُّ شخصًا ذا مكانةٍ عاليةٍ في بلاطِ ملكةٍ قويةٍ (“كنداكة”). خدمَ في منصب هام كوزير للخزانة، مما يدلُّ على ثقته وكفاءته. مملكةُ “كنداكة” (سواءٌ كانتْ مملكةَ مروي أو منطقةً ذاتَ نفوذ كوشيّ) كانتْ على الأرجح تتمتعُ بثراء واقتصاد قوي يعتمدُ على التجارة والموارد الطبيعية.

إنَّ لقاءَ هذا المسؤولِ الرفيعِ معَ فيلبسَ في طريق العودة منْ أورشليمَ يوضحُ كيفَ أنَّ الإنجيلَ كانَ يصلُ إلى أشخاص منْ خلفيات وثقافات متنوعة، بمنْ فيهمْ أفرادٌ منْ دول قوية وغنية في ذلكَ الوقت. وعلى الرغم منْ أنَّ التفاصيلَ الدقيقةَ لدوره في نشر المسيحية في الحبشة في تلكَ الفترة المبكرة غيرُ واضحةٍ تاريخيًّا، إلا أنَّ التقليدَ يرى فيهِ شخصيةً محوريةً في إدخال الإيمان المسيحيّ إلى هذهِ الأرض.

اعداد  عماد حنا 

مواضيع تهمك