الرسول والسيف
Roma

الرسول والسيف
وكان الرسول بولس أكثر من تحدَّث عن السيف والحروب، كما تحدث عن سلاح كامل
لمحارب لابد أن يلبسه لكي يضمن النصرة ضد العدو، لضمان النصر واتساع المملكة.
فكل الحروب لها ثلاثة عناصر على الأقل:
أولًا: أدوات المعركة.
ثانيًا: العدو.
ثالثًا: المحارب.
دعني أيها القارئ العزيز أتناول بالشرح عناصر المعركة هذه:
أولًا: أدوات المعركة.
سيف، خوذة، درع، تُرس، وحذاء عسكري. وما إلى غير ذلك، لكن دعني أركز حديثي عن السيف، فالزمن الروماني الذي كان يعيش فيه بولس الرسول، كان السيف فيه هو أداة الحرب الرئيسية. ويذكر بولس أنه ليس سيفا من الحديد، بل قال لفظا جديدا عنه -سيف الروح- “سَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ “(أف 6: 17) وهنا يصور الحرب المسيحية على أنها جهاد روحي ضد العدو، وإن كان السيف روحيا ليس جسديا، فالعدو بكل تأكيد ليس ماديا أيضا. “إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ.” (2 كو 10: 4).
إن أسلحة الحرب للمسيحي ليست مع البشر، ولا أي مخلوق مادي.
“فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ” (أف 6: 12).
بل في مقارنة بين سيف الروح -كلمة الله- وبين السيف الحديدي وأي منهما أشد حدة وتأثيرا واختراقا أثناء الحرب، يقول كاتب رسالة العبرانيين:
“لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عبرانيين 4: 12).
فالكلمة الحية تتمم العمل الخلاصي لله في قلب الإنسان، وتغلب القوة العسكرية في نشر الإيمان، بل وتخترق الروح والنفس والقلب فتصنع قناعة وقوة روحية وذهنية ونفسية داخل الإنسان الذي يصدق بقوة كلمة الله- سيف الروح- وكلمة الله بمقارنتها بالسيف الحديدي، لا تعمل بعنف أو إجبار أو قتل أو تعذيب، بل بلطف وإقناع وفهم وحكمة الله نفسها هي التي تُبرهن بالروح لمن يريد.
أما عن الصراعات الروحية التي يهجم بها العدو الروحي على المسيحي، فإن كلمة الله لها اليد العليا ولها النصرة كما كان المسيح يسوع شخصيا ينتصر في كل تجاربه الروحية بالمكتوب الذي هو كلمة الله.
ثانيا: العدو
يرى المحاربون الأرضيون أن العدو دائما ما يكون بشريا، وتنشأ الحروب بين طرفين أو أكثر قد يختلفون إما على أرض أو فكر ديني أو سياسي أو إنساني، ولكن الرسول بولس يكتب بوحي من الله أن عدونا ليس لحما أو دما، فنحن مدعوون لمحبة البشر والغفران للجميع، بل نبارك ولا نلعن، فمحاربتنا روحية مع إبليس الذي هو يريد أن يذبح ويسرق ويهلك.
فإبليس وجنوده يمثلون قوى الشر غير المنظورة، والتي هي محرك أساسي للأشرار البشر، فمحاربتنا المسيحية ليست مع البشر، بل مع قوى الشر في العالم الروحي لهزيمة إبليس الذي يريد أن يُسقط الجميع في الخطية والفساد، بينما نحن نريد أن نخلص كثيرين من يد إبليس، وأن ينالوا الحرية التي في المسيح والنصرة التي يقودنا فيها الرب ضد هجمات إبليس. يقول الكتاب المقدس:
“الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. ” (أف 6: 11 )
والشخص الروحي قادر بالله على هدم حصون إبليس وكل خططه وترتيباته لسقوط البشر، وهذا يدعو المؤمن المسيحي لحياة اليقظة الروحية وطاعة الكلمة. “اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ” (1بطرس 5: 8 ).
أما من يطيع إبليس وأفكاره من الكراهية والشر والقتل والشهوات والضلالات، فهو بعيد عن الحق الذي في الله بل هو ابن لإبليس لأنه يفعل مشيئته.
“أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يوحنا 8: 44)
v ثالثًا: المحارب:
يدعو الرسول بولس في كتاباته التي أوحى الله له أن يكتبها لكل مسيحي أن يحارب، ولكن حربه حرب روحية.
ويؤكد بولس الرسول أن المسيحية لا تدخل في معارك ومصارعات مع الإنسان بل إن كل آيات الإنجيل تحث على محبة كل إنسان. فأسلحة محاربتنا ليست مع لحم ودم
“بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ،
مَعَ أَجْناد الشر الروحية في السماويات” (أف 6: 12).
بالتالي فإن المحارب المسيحي يبني نفسه روحيا حينما يحمل سيفه. فالسيف الذي هو كلمة الله هو طريق بناء المسيحي بطاعة الحق المقدم للبشرية من الله. فكلمة الله -سيف الروح- تجدد الإنسان من الداخل، وتغرس فيه فكر الله في التعامل مع شخص الله والثبات فيه، ومع بقية البشر، بأنهم ليسوا أعداء لكنهم مهزومون من الخطية، يحتاجون قوة كلمة الله ومعرفتها؛ ليقوموا من حالتهم الردية إلى طريق صاحب الكلمة.
” فَاخْضَعُوا للهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ” (يعقوب 4: 7).
وهذا يجعل المسيحي المؤمن منتصرا في حروبه الروحية بطاعته، كما أن المسيح كان منتصرا دائما، فمن يتبع طائعا يتذوق دائما طعم النصرة والرفعة به. “وَلَكِنَّنَا فِي هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا” (رومية 8: 37).
أخيرا أخي هي فرصة أن تمتلك سيفا روحيا ونصرة وقائدا منتصرا، تتبع خطواته في محبة النفوس ورفض قوى الشر، ونصرة في حربك الروحية ضد إبليس والخطية. فهناك موكب للمنتصرين يسير خلف المسيح المنتصر، ولك منه سيفا روحيا شافيا وليس سيفا يجرح أو يقتل. هو كلمة الله.
الكاتب: الدكتور الشيخ/ سامح فيليب