قوَّة الصلاة ودِقة التخطيط

Roma
قوَّة الصلاة ودِقة التخطيط

قوَّة الصلاة ودِقة التخطيط

تُعَدُّ قصة نحميا من أروع القصص الكتابيَّة التي تمزج بين الاتكال الكامل على الله وبين التخطيط البشري المحكم. هي ليست مجرد حكاية عن بناء سور من الحجارة، بل هي دستور لكل مؤمن يرغب في ترميم ما تَهَدَّم في حياته الشخصيَّة،
أو أسرته، أو خدمته.
تبدأ القصة في “شوشن القصر”، حيث كان نحميا يشغل منصبًا مرموقًا ككأسٍ للملك أرتحشستا. لكن رفاهية القصر لم تنسه شعبه. وعندما سأل عن أورشليم، جاءه الخبر الصادم:

“السُّورُ مُنْهَدِمٌ، وَأَبْوَابُهَا مَحْرُوقَةٌ بِالنَّارِ” (نحميا 1: 3).

بالمناسبة، تعبير “كأس للملك” لا يَعني مجرَّد شخص يُقدِّم الشراب فقط، بل كان منصبًا رفيعًا وحسَّاسًا جدًا في البلاط الملكي الفارسي. المعنى باختصار: كأس الملك هو المسؤول عن شراب الملك: يُحضِّره، ويقدِّمه له، وغالبًا يتذوَّقه قبل الملك؛ ليتأكَّد أنه غير مسموم.

لهذا، أول درس نتعلمه من نحميا هو أن التغيير يبدأ بـ “العبء” أي الانشغال والاهتمام بالآخرين رغم أي مسؤوليات أو أعباء أو مناصب رفيعة قد تجعلنا في رخاءٍ فلا نشعر بخاصَّتنا. لم يندفع نحميا بذكائه البشري، بل جلس وبكى وناح وصام وصلى. لقد أدرك أن أي عمل لا يبدأ بالصلاة هو عمل يعتمد على ذراع بشريَّة فاشلة.
علمتنا صلاته في الإصحاح الأول أهميَّة “التوبة”، حيث اعترف بخطاياه وخطايا شعبه،

متمسكًا بوعود الله.

 الإيمان لا يَلغي التخطيط

كثيرًا ما يظن البعض أن الإيمان يَعني “العشوائيَّة”، لكن نحميا كسر هذه القاعدة. عندما سأله الملك: “مَاذَا طَالِبٌ أَنْتَ؟”، رفع نحميا صلاةً سريعةً صامتةً، ثم قدَّم خُطةً مدروسة بدقة. طلب رسائل حماية، ومواد بناء، وحدد زمنًا للرحلة.

هنا نرى “الذكاء الروحي”؛ فنحميا لم يكتفِ بالصلاة، بل درس الاحتياجات المَيدانيَّة.

القيادة المسيحيَّة الناجحة هي التي تعرف كيف تمزج بين قوة الروح القدس

وبين الأمانة في التخطيط الإداري.

 لنقُم ونَبني

عندما وصل نحميا، لم يُلقِ خطابات رنانة من فراغ. قام أولًا بجولة ليليَّة سريَّة ليعاين الخراب بنفسه. لم يرد أن يعطي وعودًا ورديَّة، بل أراد أن يواجه الواقع بمرارة تفاصيله. وعندما خاطب الشعب،

قال لهم: “أَنْتُمْ تَرَوْنَ الشَّرَّ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ… فَهَلُمَّ نَبْنِ سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ نَكُونُ بَعْدُ عَارًا” (نحميا 2: 17).
سر نجاح نحميا كان في قدرته على تحويل “الإحباط الجمعي” إلى “مسؤوليَّة مشتركة”. لقد وزَّع العمل بحيث تبني كل أسرة الجزء المقابل لبيتها؛ مما خلق شعورًا بالانتماء والأمان الشخصي والروحي.

  مواجهة المقاومة

لا يوجد عمل إلهي لا يواجه معارضة أو مقاومة أو تحديات. واجه نحميا ثلاثة أنواع من الحروب:
● السخريَّة: من سنبلط وطوبيا (أنت أضعف من أن تبني).
● التهديد العسكري: الهجوم المباغت.
● المؤامرات الداخليَّة: استغلال الفقراء من قِبل الأغنياء.

كان رد نحميا حاسمًا: “إِلهُ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ، وَنَحْنُ عَبِيدُهُ نَقُومُ وَنَبْنِي”. وضع استراتيجيَّة عبقريَّة: يد تمسك “بالمنطاة” (للبناء) ويد تمسك “بالسيف” (للدفاع). وهذا هو حال المؤمن؛

يبني حياته الروحيَّة وخدمته، وفي نفس الوقت يلبس سلاح الله الكامل لصد هجمات إبليس.

للعِلم المنطاة هي قطعة تُلَفُّ حول الخصر أو تُشدُّ على الجسد. تُستعمل إمَّا: للستر، أو الحماية،

أو الاستعداد للعمل أو السير.

  الترميم الروحي

 في 52 يومًا فقط، اكتمل السور. كان إنجازًا معجزيًا أبهر الأعداء. لكن نحميا لم يتوقف عند الحجارة. لقد أدرك أن أسوارًا بلا “شعبٍ مقدس” هي مجرد حصون فارغة. لذا، استدعى عزرا الكاتب لقراءة الشريعة، وبدأ نهضة روحيَّة شملت التوبة،

وتجديد العهد مع الله، والالتزام بحفظ السبت ودعم بيت الرب.
الإنجاز الحقيقي في نظر نحميا لم يكن ارتفاع السور، بل عودة قلوب الشعب إلى الله.

  خاتمة وتطبيق عملي

تهمس قصة نحميا في أذن كل واحد منا اليوم:
● للمسؤول: كن خادمًا بقلب مصلٍّ وعقل مفكر.
● للمحبط: الخراب الذي تراه في حياتك اليوم ليس نهاية القصة، بل هو موضع عمل الله القادم.
● للكنيسة: العمل الجماعي والوحدة هما القوة التي ترهب الأعداء.

نحميا يعلمنا أننا “بناة أسوار”. قد يكون السور الذي تحتاج لترميميه هو علاقتك مع الله، أو تربية أبنائك، أو أمانتك في عملك. تذكَّر دائمًا شعار نحميا الخالد: “إنني عامل عملًا عظيمًا فلا أقدر أن أنزل”. لا تسمح للمشتتات أن تنزلك عن سور دعوتك المقدسة.

أسئلة للتأمل:

1. ما هو “السور المنهدم” في حياتك حاليًا والذي يحتاج إلى ترميم؟
2. هل تبدأ مشاريعك بالصلاة أم بالاعتماد على خبراتك السابقة فقط؟
3. كيف تتعامل مع “سنبلط” (صوت اليأس) الذي يهمس في أذنك بأنك لن تنجح؟

 الكاتب/ مينا نبيل

مواضيع تهمك