تَوبة اليوم تَصنع الغد

Roma
تَوبة اليوم تَصنع الغد

  تَوبة اليوم تَصنع الغد

إنه وقتٌ لطلب الرب: قراءة روحية في هوشع 10

 يقول القديس أمبروسيوس في عبارة بليغة:

“نُخاطب الرب إذ نصلي، ونُصغي إليه إذ نقرأ الكتاب المقدس”.
حينما نَفتح سفر هوشع، تحديدا الإصحاح العاشر، نحن لا نقرأ مجرد نصوص تاريخية، بل نُصغي إلى نداء إلهي حي يضعنا أمام مفترق طرق. إمَّا الاستمرار في طريق الذات والفساد ومواجهة الدينونة، وإمَّا الاستجابة لصوت النعمة الصارخ: “إنه وقتٌ لطلب الرب”. إنها رسالة مُوجَّهة للكنيسة في كل عصر، ولا سيما عصرنا الحالي، تُنبهنا للتوقف عن أمور معينة، والرجوع للعيش بحسب الحق الكتابي.

الرجوع للإله الحي

يكشف الرب في بداية الإصحاح عن خطورة “البركة التي تتحول إلى فخ”. فحينما جَادَ الله على شعب إسرائيل بالثمر، لم يردوا له المجد، بل أكثروا من المذابح للأوثان. يقول الوحي المقدس:
“إِسْرَائِيلُ جَفْنَةٌ مُمْتَدَّةٌ. يُخْرِجُ ثَمَرًا لِنَفْسِهِ. عَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ ثَمَرِهِ قَدْ كَثَّرَ الْمَذَابِحَ. عَلَى حَسَبِ جَوْدَةِ أَرْضِهِ أَجَادَ الأَنْصَابَ” (هوشع 10: 1).
للعلم، الصَّنم ليس دائما تمثالا حرفيا، بل هو كل ما يأخذ الأولوية الأولى في حياتنا، وكل ما يستهلك وقتنا وشغفنا بعيدا عن الله. فإن كان الله لا يأخذ المكانة الأولى، فقد نَصَّبنا لأنفسنا “أنصابا” روحية تحتاج إلى الهدم لنعود ونطلب الرب وحده.

  تَرْك الاتكال على القوى الأرضية

كانت مشكلة شعب الرب الكبرى هي “فقدان الثقة في الله”، والهروب نحو القوى العالمية (أشور ومصر) طلبا للأمان. لقد استبدلوا حماية العَلي بخوف ورعب أمام عجول وأصنام لا تملك لنفسها نفعا، فجاء التحذير:“عَلَى عُجُولِ بَيْتِ آوَنَ يَخَافُ سُكَّانُ السَّامِرَةِ. إِنَّ شَعْبَهُ يَنُوحُ عَلَيْهِ، وَكَهَنَتَهُ عَلَيْهِ يَرْتَعِدُونَ عَلَى مَجْدِهِ، لأَنَّهُ انْتَفَى عَنْهُ. وَهُوَ أَيْضًا يُجْلَبُ إِلَى أَشُّورَ هَدِيَّةً لِمَلِكٍ عَدُوٍّ” (هوشع 10: 5-6).

إنَّ الركض وراء الأشخاص أو التحالفات المادية بحثا عن الأمان هو سرابٌ يؤدي إلى الخوف. يدعونا الرَّبُّ اليومَ للتوقف عن الالتجاء لغيره؛ لنكتشف أنَّ الحماية الحقيقية في زمن الصراع والاضطراب فيه وحده.

  التَّوقُّف عن النفاق

نسي الشعب دعوتهم كأُمَّةٍ مقدسة تعكس مجد الله، وغرقوا في الكذب. يصف الرب حالتهم بمرارة قائلا:
“قَدْ حَرَثْتُمُ النِّفَاقَ، حَصَدْتُمُ الإِثْمَ، أَكَلْتُمْ ثَمَرَ الْكَذِبِ. لأَنَّكَ وَثِقْتَ بِطَرِيقِكَ، بِكَثْرَةِ أَبْطَالِكَ” (هوشع 10: 13).
لكن، ولأن إلهنا هو إله الفرصة الثانية، فإنه يقدم مخرجا من خلال عمل روحي جاد:
“اِزْرَعُوا لأَنْفُسِكُمْ بِالْبِرِّ. احْصُدُوا بِحَسَبِ الصَّلاَحِ. احْرُثُوا لأَنْفُسِكُمْ حَرْثًا، فَإِنَّهُ وَقْتٌ لِطَلَبِ الرَّبِّ حَتَّى يَأْتِيَ وَيُعَلِّمَكُمُ الْبِرَّ” (هوشع 10: 12).

المطلوب هو “حرث” القلب، أي إزالة القسوة واللامبالاة؛ لكي تتهيأ التُّربة لاستقبال بذار البر والصلاح.

  ليلة الصراع والبركة

إنْ لم نطلب الرب في هذا الوقت الصعب، متى نطلبه؟ إنها دعوة لنصرخ مع المرنم بيقين وإصرار: “ما لم تباركني ربي لن أطلقك.. لن أتركك”. لنقدم قلوبنا ذبيحة حب، واثقين في أمانة الله الذي وَعَدَ ألَّا يتركنا حتى يتمم وعده الثمين. لنطرح عَنَّا كل خداع، ولنتمسك به، فهو الراعي والمعين الذي يحملنا في كفيه.
حقا، إنه وقتٌ لطلب الرب. وفي هذه اللحظة، يتجلى أمامنا وعد الله العميق: “أنَّ كل توبة حقيقية تصنع تحولا داخليا حقيقيا، وتفتح أبواب رحمة لا تنتهي.” فكل دمعة ذُرِفَت بصدقٍ هي بذرةٌ لحياةٍ جديدة، وكل قلب مُتوجِّه نحو الله بحبٍّ صادقٍ هو أرضٌ خصبة للبركة.

فلتكن دعوتنا اليومَ أن نترك كل ما يعوقنا عن الله، ونمضي بخطى ثابتة نحو حياة ملؤها الطهارة والمحبة، مستمدين القوة من وعده الثمين الذي لا يتخلف أبدًا.

      الكاتب/ الدكتور القس هاني ظريف – راعي الكنيسة الإنجيلية بالملك الصالح

مواضيع تهمك