حقائق عن معجزات المسيح

Roma
حقائق عن معجزات المسيح

 حقائق عن معجزات المسيح

تظلُّ معجزات السيِّد المسيح، التي تملأ صفحات الأناجيل، منارةً ساطعةً تكشف عن هويَّته الإلهيَّة ورسالته السامية. لم تكن هذه الأعمال الخارقة مجرَّد استعراض للقوَّة، بل كانت لغةً إلهيَّةً تتحدَّث عن المحبَّة والرحمة، وتُؤَسِّس لحقائق إيمانيَّة عميقة.
هي ليست مجرَّد أحداث تاريخيَّة مضت، بل نوافذ نطلُّ منها على قلب الله ومشيئته تُجاه البشرية. في سطور هذه المقالة، سنغوص في أعماق حقائق جوهريَّة حول هذه المعجزات، كاشفين عن أبعادها الروحيَّة واللاهوتيَّة التي تستمرُّ في إلهام الملايين حول العالم.

• معجزاتٌ لأجل البشريَّة لا لمنفعته الخاصَّة

من أبرز الحقائق وأكثرها تأثيرًا هي أنَّ السيِّد المسيح لم يصنع معجزةً واحدةً لمنفعته الشخصيَّة. طوال فترة خدمته على الأرض، والتي امتدَّت لثلاث سنوات، كانت كُلُّ أعماله الخارقة مُوَجَّهَةً لرفع المعاناة عن الآخرين وتلبية احتياجاتهم. لقد جاع بعد صوم أربعين يومًا، ولكنَّه رفض أن يُحَوِّل الحجارة إلى خبز، بينما أشبع الآلاف بخمسة أرغفة وسمكتين.
هذا المبدأ السامي يَتَلَخَّص في شهادة الرسول بطرس عنه: “يَسُوعُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ ٱللهُ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَٱلْقُوَّةِ،

ٱلَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ ٱلْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لِأَنَّ ٱللهَ كَانَ مَعَهُ.” (أعمال الرسل 10: 38).
انشغل السيد المَسيح بمعاناة الناس وآلامهم واحتياجاتهم، فجاء ليُخَفِّف عنهم. وبهذا، قدَّم نموذجًا فريدًا للحُبّ الباذل وإنكار الذات. من هنا، يجد المؤْمِن بالمسيح منظورًا جديدًا لمواجهة تحدِّيات الحياة وآلامها، مُدْرِكًا أنَّه ليس وحيدًا في صراعه، بل معه ذاك الذي تَرَفَّق بالجُمُوع وشفى أمراضهم.
ومَا يزيد من يقين هذه الحقيقة أنَّ كُلَّ هذه المعجزات تَمَّ توثيقُها ونَقْلهُا عبر شهود عيان. أولئك التلاميذ والجُمُوع الذين رأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم، هم من نقَلوا لنا

هذه الأحداث العظيمة؛ مِمَّا يمنحها مصداقيَّةً تاريخيَّةً وروحيَّةً لا تُضاهَى.

• سلطانٌ يفوق قدرات الطبيعة

أعلنت معجزات السيِّد المسيح عن سلطانه المُطْلَق على كُلِّ الخليقة. لقد أظهر سلطانه على الطبيعة عندما انتهر الرياح والأمواج فهدأت، وعلى الأمراض المُتَنَوِّعَة فشفى البُرص والعمى والشلَل بمجرَّد كلمة أو لمسة.
كما أعلن سلطانه على عالم الأرواح الشِّرِّيرَة فطردها، وعلى الموت نفسه عندما أقام لعازر وابن أرملة نايين من بين الأموات. لم تكن هذه الأعمال عشوائيَّةً، بل كانت كُلُّ معجزةٍ تحمل رسالةً وهدفًا ضِمْن خُطَّة الله لخلاص البشر.

الهدف الأسمى لم يكن التسلية أو الاستعراض، وهذا يَتَّضِح جَلِيًّا في موقفه أمام هيرودس الملك. عندما أُرسِل المسيح ليُحاكَم أمامه، كان هيرودس يأمل أن يرى آيةً أو عملًا خارقًا للتسلية، لكنَّ المسيح لم ينطق بكلمة، رافضًا تحويل القوَّة الإلهيَّة إلى أداة للترفيه. يصف الكتاب المُقَدَّس المشهد قائلًا:

“وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَى آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ. وَسَأَلَهُ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ.” (لوقا 23: 8-9). كان الهدف إمَّا رفع المعاناة، أو تأكيد هويَّته الإلهيَّة، أو إعلان سلطانه.

علاوةً على ذلك، من المُهِمّ إدراك أنَّ ما تَمَّ تسجيله في الأناجيل ليس سوى قليلٍ من كثير. فالإنجيليُّ يوحنَّا يختتم بشارته بتصريحٍ مُذْهِل عن كثرة أعمال المسيح، قائلًا: “وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ ٱلْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ ٱلْكُتُبَ ٱلْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ.” (يوحنا 21: 25). هذه الحقيقة تُؤَكِّد أنَّ الوحي الإلهيَّ اختار بحكمةٍ مجموعةً مُحَدَّدَةً من المعجزات لتدوينها، كُلُّ واحدةٍ منها تخدم غرضًا تعليميًّا، وتكشف جانبًا من شخصيَّة المسيح وسلطانه.

• آيات النعمة ورسالة الدَّيْنُونة

كانت كُلُّ معجزات المسيح تقريبًا تعبيرًا خالصًا عن النعمة والرحمة. إلَّا أنَّ معجزةً واحدةً وقفت كرمزٍ للتَّحذير والدَّيْنُونة: وهي لَعْنُ شجرة التِّين. تحمل هذه المعجزة رمزيَّةً عميقة، فالشجرة التي كانت مُورقةً من بعيد ولكنَّها خاليةٌ من الثمر، كانت تُمَثِّل الأُمَّة اليَهُودِيَّة في ذلك الزمان. كان لديهم المظهر الخارجي للتديُّن: الهيكل، الذبائح، الكهنوت، والأعياد، لكنَّهم كانوا بلا ثمر روحيٍّ حقيقيٍّ، أي بلا إيمان وتوبة.
جاء المسيح يبحث عن ثمرٍ فلم يجد سوى الأوراق. فكانت كلماته للشجرة بمثابة إعلان للدَّيْنُونة على الرياء الدِّينِيِّ والشكليَّات الفارغة.
يروي الإنجيليُّ مرقس الواقعة: “فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلَّا وَرَقًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ ٱلتِّينِ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لَا يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى ٱلْأَبَدِ!».” (مرقس 11: 13-14).

تظلُّ هذه الحادثة تحذيرًا قَوِيًّا لكُلِّ مَن يكتفي بالمظاهر الدينيَّة دون أن يكون له ثمر حقيقيٌّ في حياته.

بالأخير، أعظم حقيقة هي أنَّ حياة السيِّد المسيح نفسها، من ميلاده العذراوي إلى قيامته المجيدة من بين الأموات، كانت هي المعجزةَ الكبرى.

لم تكن المعجزات مجرَّد أعمال قام بها، بل كانت حياته كُلُّها سلسلة مُتَّصِلَة من الأعمال الإلهيَّة الخارقة التي أثبتت أنَّه هو الله المُتَجَسِّد،

الذي جاء ليصالح السماء مع الأرض، ويفتح أبواب الملكوت أمام كُلّ من يؤْمن به.

• خاتمة

إنَّ التأمُّل في حقائق معجزات المسيح يأخذنا إلى ما هو أبعد من مجرَّد الإعجاب بقدرته الخارقة. إنَّها تكشف عن قلبٍ إلهيٍّ يتألَّم لمعاناة البشر، وعن سلطانٍ لا حدودَ له، وعن حكمةٍ إلهيَّة تُقَدِّم رسائل الخلاص والتحذير.

لقد كانت معجزاته إعلانًا عمليًّا عن شخصه ومُهِمَّته: فهو لم يأتِ ليُخْدَم، بل ليَخْدِم، وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين. وهي دعوة مُسْتَمِرَّة لنا اليوم ألَّا نكتفي بطلب المعجزات، بل أن نطلب “صانع المعجزات” نفسه، ونتبعه لا لأجل الآيات، بل لأجل شخصه المُحِبِّ الذي هو أعظم من كُلّ المعجزات.

الكاتب/ الدكتور القس هاني ظريف – راعي الكنيسة الإنجيليَّة بالملك الصالح

 

مواضيع تهمك
شارك اصدقائك