وَعْد بالرَّاحة وسط الشَّقاء
Roma

وَعْد بالرَّاحة وسط الشَّقاء
في عالمٍ يَمُوجُ بالعَنَاءِ والشَّقَاءِ، وفي واقعٍ تطحننا فيه ضغوطُ الحياة وأعباؤها المتزايدة، يبقى السؤالُ الأزليُّ مُلِحًّا: هل يمكن حقًّا أن ننال الراحةَ الحقيقية؟
قد يرى البعضُ أن هذا الأمرَ ضَرْبٌ من المستحيل، وأن السَّعيَ نحو الطمأنينة في دنيا التعب أشبهُ بالجري وراء سراب.
لكنَّ كاتبَ رسالةِ العِبْرَانِيِّينَ يُقدِّم لنا إجابةً مختلفة، إجابةً مُشجِّعة ومُعزِّيةً، تؤكد أن الراحة ليست ممكنةً فحسب، بل هي وَعْدٌ إلهيٌّ متاحٌ لمن يسلك سبيله. لتحقيق هذه الغاية، يضع أمامنا خريطةَ طريقٍ تتكون من أربعة أفعالٍ أو أوامرَ جوهرية، تُشكِّل معًا دستورًا لحياة السكينة.
سنُبحر في هذه المقالة لنستكشف بعمقٍ أَوَّلَ هذه الأفعال وأساسها: الأمرُ بالخوفِ الإيجابي.
المحتوي
• وَعْدٌ قَائِم وَخَوْفٌ وَاجِب
يفتتح كاتبُ الرسالة الإصحاحَ الرابع بأمرٍ قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى: “فَلْنَخَفْ!“. ولكي لا يلتبسَ المعنى على القارئ،
تُوضِّح ترجماتٌ عديدة أن المقصودَ ليس خوفَ الرعب والفزع، بل خوف الخَشْيَةِ والحذر والجِدِّيَّةِ.
فتقول الترجمة المشتركة: “فما دام لنا وَعْدٌ بالدخول في راحةِ الله، فعلينا أن نخافَ من أن يحْسَبَ أحدٌ نفسَه متأخرًا”.
وتؤكد الترجمة اليسوعية المعنى بقولها: “فَلْنَخْشَ إذًا، ما دام مَوْعِدُ الدخول في راحته باقيًا، أن يُرَى أحدٌ منكم متخلفًا عنه”.
إذًا، الخوف هنا هو حالةٌ من اليقظة والحرص الشديد. إنه الإدراك العميق بأن هناك وَعْدًا إلهيًّا عظيمًا بالراحة، ومن شأن هذا الوعد أن يدفعنا إلى التمسك به بكل جِدِّيَّة، خَشْيَةَ أن نُفوِّتَه أو نفشل في بلوغه.هذا الأمر لم يأتِ من فراغ، بل هو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما وَرَدَ في نهاية الإصحاح الثالث، الذي يستعرض قصةً من الماضي تحمل في طياتها أقسى الدروس وأبلغها.
• عِبْرَةٌ مِنَ المَاضِي: سُقوط جِيلِ البَرِّيَّةِ
لكي نفهم عُمْقَ التحذير “فَلْنَخَفْ”، يأخذنا كاتبُ الرسالة إلى قصة شعب إسرائيل القديم. لقد أعطى اللهُ ذلك الجيلَ وَعْدًا صريحًا بالدخول إلى أرض المَوْعِد،
أرض الراحة والاستقرار. لكن، وعلى الرغم من أنهم شاهدوا الآيات والمعجزات بأعينهم، وخرجوا من أرض العبودية بذراعٍ رفيعة،
وقد تجلَّى الله لهم على الجبل وأعطاهم الوصايا والناموس، إلا أنهم في النهاية “لَمْ يُصَدِّقُوا”.
كان عدمُ إيمانهم وعصيانهم وتذمرهم المستمر هو السببَ في ضياعهم. يقول الكاتب مستشهدًا بالمزمور: “لذلك مَقَتُّ ذلك الجيلَ،
وقلتُ: إنهم دائمًا يَضِلُّونَ في قلوبهم، ولكنهم لم يعرفوا سُبُلِي. حتى أَقْسَمْتُ في غضبي: لن يدخلوا رَاحَتِي”.
ويؤكد قائلًا إن مَنْ أُقْسِمَ أن لن يدخلوا راحته هم “الذين لم يُطِيعُوا”.
كانت النتيجةُ مأساوية؛ فهَلَكَ ذلك الجيلُ بأكمله في صحراء سِينَاءَ، ولم يدخل أرضَ الراحة الموعودة. هذه الحادثة ليست مجردَ سَرْدٍ تاريخي،
بل هي تحذيرٌ حيٌّ لنا اليوم، يُوضِحُ أن الوصول إلى الراحة الإلهية مشروطٌ بالطاعة والإيمان، وأن الاستهتار بوعود الله عواقبه وخيمة.
• الرَّاحة وَجِدِّيَّةُ الاخْتِيَارِ
ينتقل التحذيرُ من الماضي السحيق ليصبح واقعًا مُلِحًّا في حياتنا المعاصرة. فكما قدَّم الله وَعْدًا براحةٍ مادية في أرض كَنْعَانَ قديمًا، فهو يُقدِّم لنا اليوم،
في ضوء العهد الجديد وعمل المَسِيحِ الخلاصي، وَعْدًا براحةٍ روحية تفوقها عظمةً. لكم راحةٌ في المسيح، لكم حياةٌ أبدية فيه.
هذه الراحة ليست أمرًا مؤجَّلًا إلى ما بعد الموت، بل هي خِبْرَةٌ تبدأ “هنا والآن” وتستمر إلى الأبد. إنها الطمأنينة الداخلية والسلام الذي يفوق كل عقل،
حتى في أَحْلَكِ الظروف، كما قال السيد المسيح:
“سَلَامًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلَامِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي ٱلْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا.” (يوحنَّا 14: 27).
ولأن الأمر بهذه الأهمية، يجب أن نأخذه على مَحْمَلِ الجِدِّ. فالحياةُ تمضي بسرعة، “كَٱلْبُخَارِ، ٱلَّذِي يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ.” (يعقوب 4: 14).
أثناء هذه الحياة القصيرة، يُوجِّهُنا الله مرارًا وتكرارًا، ويُبشِّرُنا بالراحة لكي نتجاوب ونتَّعِظ ونضع حياتنا وأهدافنا وأُسَرَنا بين يديه،
فهو وحده القادر على أن يمنح الراحة الحقيقية.
• الخَاتِمَةُ
إن قضية نَيْلِ الراحة في عالم الشَّقَاء ليست وَهْمًا، بل هي حقيقةٌ ممكنة لها شروطها ومبادئها. وقد كانت الخطوةُ الأولى والأساسية، كما بيَّنَتْ رسالة العِبْرَانِيِّينَ، هي “فَلْنَخَفْ”. هذا الخوفُ المقدس الذي يعني الحرصَ واليقظة وأَخْذَ وعود الله بجِدِّيَّة تامة. فعِبْرَةُ جيل البَرِّيَّةِ تُذكِّرنا دومًا بأن الطاعة تفتح أبواب الراحة، بينما يقود العصيانُ إلى الحِرْمَان. فَلْنُطِعْ إذًا رسالةَ الله لنا، ولْنَسْعَ بإيمان وثقة للدخول إلى تلك الراحة الموعودة، التي تبدأ في قلوبنا اليوم وتكتمل في حَضْرَتِهِ إلى الأبد.
الكاتب/ الدكتور القس هاني ظريف – راعي الكنيسة الإنجيليَّة بالملك الصالح