مسافر على الطريق

Roma
مسافر على الطريق

  مسافر على الطريق

ظهرَ فيلبسُ الشماسُ السابعُ في مجموعة شمامسة أورشليمَ ليتصدرَ المشهدَ بعدَ أنْ ماتَ استفانوسُ، وفجأةً وجدناهُ شاهدًا مميزًا في السامرة. تخيلْ معي فيلبسَ، الرجلَ الذي شهدَ قوةَ الله في السامرة، حيثُ الجموعُ تصغي لكلمته والشفاءُ يتدفقُ على المرضى. ربما كانَ يشعرُ بفرح عميق وثقة متزايدة في عمل الروح القدس. وفجأةً، وهو في قمة النجاح يأتيهِ أمرٌ مباشرٌ منْ ملاك الربّ: “قمْ واذهبْ نحو الجنوب على الطريق المنحدرة منْ أورشليمَ إلى غزةَ. هي بريةٌ” (أعمال الرسل 8: 26).

 قد يبدو هذا الأمرُ غريبًا للوهلة الأولى. لماذا يتركُ فيلبسُ هذهِ الخدمةَ المثمرةَ ليذهبَ إلى طريق مهجور في الصحراء؟ ربما تساءلَ في قلبه عنْ حكمة هذا التوجيه الإلهيّ. لكنَّ إيمانَ فيلبسَ كانَ يدفعُهُ للطاعة دونَ تردد.

 تصورْ الآنَ هذا الطريقَ البريَّ الهادئَ، ووسطَ هذا الصمتِ، يظهرُ موكبٌ مهيبٌ. إنَّهُ خصيٌّ حبشيٌّ، وهو رجلٌ ذو مكانةٍ رفيعةٍ، يعرفُهُ الكتابُ أنَّهُ كانَ وزيرًا لخزانة كنداكةَ ملكةِ الحبشة، وقدْ أتى إلى أورشليمَ ليسجدَ. هل هو منَ اليهود الدخلاء؟ أمْ إنَّهُ مجردُ عابد مهتم بإله إسرائيلَ؟ على أي حال لقدْ كانَ يقرأُ في نبوة أشعياءَ؛ والحقيقةُ أنَّهُ ليسَ منَ السهل الحصولُ على مثلِ هذهِ الكتبِ التي كانتْ قاصرةً على وجودها في المجامع فقط، وهذا يدلُّ على غناهُ، وأيضًا يدلُّ على شغفه بالمعرفة.

على أي حال بينما هو عائدٌ على مركبته، كانَ يقرأُ سفرَ إشعياءَ النبيّ. ويقتربُ روحُ الربّ منْ فيلبسَ ويقولُ لهُ: “تقدمْ ورافقْ هذهِ المركبةَ” (أعمال الرسل 8: 29). يا لهُ منْ لقاء غير متوقع! يقتربُ فيلبسُ، المبشرُ اليهوديُّ، منْ مسؤول أجنبي رفيع المستوى.

 يسمعُ فيلبسُ الخصيَّ يقرأُ بصوت منخفض: “كشاةٍ سيقَ إلى الذبحِ، وكنعجةٍ صامتةٍ أمامَ جازِّها، هكذا لمْ يفتحْ فاهُ. في تواضعه انتُزعَ قضاؤُهُ. ومنْ يصفُ جيلَهُ؟

لأنَّهُ انتُزعتْ منَ الأرض حياتُهُ” (إشعياء 53: 7-8).

 لا يترددُ فيلبسُ، بل يسألُ بلطف: “أَتَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟” (أعمال الرسل 8: 30).

 يجيبُ الخصيُّ بتواضع:

“كَيْفَ يُمْكِنُنِي ذلِكَ إِنْ لَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ؟” (أعمال الرسل 8: 31).

 وهنا يبدأُ حوارٌ سماويٌّ. يصعدُ فيلبسُ إلى المركبة ويشرحُ لهُ هذا المقطعَ منَ الكتاب المقدس، مبشرًا إياهُ بيسوعَ. يشرحُ لهُ كيفَ أنَّ هذهِ النبوءةَ العظيمةَ تحققَتْ في حياة المسيح، الذي تألمَ وماتَ وقامَ ليحملَ خطايا العالم ويمنحَ الحياةَ الأبديةَ لكلِّ منْ يؤمنُ بهِ.

 تخيلْ شغفَ فيلبسَ وهو يتحدثُ عنْ محبة الله العظيمة المتجلية في ابنه يسوعَ. وتخيلْ قلبَ الخصيّ وهو ينفتحُ على هذهِ الحقائق المذهلة. ربما شعرَ بنور يشرقُ في داخله، وبفهم جديد يغمرُ روحهُ.

 وعندما وصلوا إلى مكان فيهِ ماءٌ، قالَ الخصيُّ:

“هُوَذَا مَاءٌ! مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟” (أعمال الرسل 8: 36).

لمْ يترددْ فيلبسُ، بل عمَّدَهُ في الحالِ. هذا اللقاءُ لمْ يكنْ عابرًا؛ بل أثمرَ إيمانًا وعمادًا وفرحًا عظيمًا للخصيّ الحبشيّ. والأهمُ منْ ذلكَ، أنَّهُ يمثلُ بدايةَ انتشارِ الإنجيلِ إلى مناطقَ بعيدةٍ لمْ يكنْ أحدٌ يتوقعُها. أثمرَ هذا الحوارُ القصيرُ دخولَ الإيمانِ المسيحيِّ إلى إفريقيا، حيثُ حملَ هذا المسؤولُ الكبيرُ بشرى الخلاصِ إلى بلاده. كيفَ يمكنُ لطاعةٍ بسيطةٍ لتوجيهٍ إلهيٍّ أنْ تحدثَ تأثيرًا عظيمًا وغيرَ متوقعٍ، وكيفَ يمكنُ لحوارٍ صادقٍ وقلبٍ منفتحٍ أنْ يؤديَ إلى لقاءٍ حقيقيٍّ معَ المسيحِ وتغييرِ حياةٍ للأبد.

مواضيع تهمك