رحلة من اليونانيَّة إلى العَربيَّة

Roma
رحلة من اليونانيَّة إلى العَربيَّة

رحلة من اليونانيَّة إلى العَربيَّة

سنتعمق في الأسطر القليلة القادمة بعالم المخطوطات العربيَّة للأناجيل، هذا الكنز الروحي والتاريخي الذي يفتح لنا آفاقًا جديدة لفهم الكلمة الإلهيَّة وكيف وصلتنا عبر العصور. سنتناول أسئلةً مهمة حول عدد هذه المخطوطات، أماكن تواجدها، أصولها، وتاريخ نسخها، وكذلك لغات الأصول التي تُرجمت منها نصوصنا العربيَّة.

رحلتنا هذه ستكشف لنا غِنى التراث المسيحي العربي وتأصيله العميق في الشرق، وستعزز إيماننا بقدرة الله على حفظ كلمته.

لطالما كانت المخطوطات شاهدًا حيًا على استمراريَّة الإيمان عبر الأجيال، وعلى الجهود الجبارة التي بذلها نَسَّاخون ومترجمون؛ لضمان وصول كلمة الله إلى كل لسان. وفي سياق المخطوطات العربيَّة، يبرز اهتمام خاص بمدى اتساع هذا التراث وثرائه، فهو يمثل جسرًا يربط بين الثقافات واللغات المختلفة. 

إن التعرف على هذه المخطوطات ليس مجرد بحث أكاديمي، بل هو دعوة لتقدير عظمة الله الذي حفظ كلمته لنا على مر العصور، وشجَّع أجيالًا على التمسك بها ونقلها بأمانة. سنتأمل في هذه الكنوز، وكيف أنها تضيء لنا مسارات الإيمان وتشجعنا على التمسك بجذورنا الروحيَّة العميقة.❖ 

ثراء التراث المخطوطي

كم عدد المخطوطات العربيَّة للأناجيل المتوفرة لدينا؟ 

في الحقيقة، لا يوجد رقم محدد وواضح لهذا السؤال. 

ما زال هذا المجال بحاجة إلى دراسة شاملة تضاهي الدراسات المتوفرة للمخطوطات اليونانيَّة. 

لم تتم بعدُ محاولة كاملة لترقيم كل هذه المخطوطات العربيَّة وجَمْعها في قاعدة بيانات موحدة. 

يمكننا أن نرى لمحاتٍ من هذا التراث الغَني في المكتبات الكبرى حول العالم، مثل المكتبة البريطانيَّة (British Library) التي تحتوي على مخطوطات سريانيَّة وعربيَّة، وهناك مخطوطات قبطيَّة عربيَّة حيث يكون النصُّ القبطي في جهة والنصُّ العربي في جهةٍ مقابلة؛ مما يدل على التلاقي الثقافي واللغوي. 

كما يوجد لدينا نصوص عربيَّة خالصة للأناجيل، مثل مخطوطة من القرن الثامن أو التاسع تحتوي على الأناجيل بالتتابع الذي نعرفه، وتبدأ بـ “كتاب مولد يسوع المسيح بن داوود” وتستمر.

في عملي، قمت بدراسة لأكثر من 210 مخطوطات عربيَّة للأناجيل بنص متتابع. ويمكن القول إن هناك ربما حوالي 300 مخطوطة، وربما يصل العدد إلى 400 مخطوطة من الأناجيل بالنص المتتابع. لكن إذا أردنا أن نجمع المخطوطات الكرشونية (المكتوبة بالسريانيَّة بأحرف عربيَّة)، والمخطوطات المكتوبة بأحرف يونانيَّة أو عبريَّة، والمخطوطات القبطيَّة العربيَّة وغيرها من الفئات، فإننا لا نمتلك حتى الآن إحصاءً دقيقًا وشاملًا لكل هذه المخطوطات. هذا يؤكد أن التراث العربي ما زال يحمل في طياته الكثير من الكنوز التي لم تُكتَشَف بالكامل بعد.

  أصالة النص الأصلي

سؤال آخر مهم يطرح نفسه: هل النص العربي أهم من النص اليوناني؟ الإجابة ببساطة هي لا! لأن الأصل هو يوناني. عندما كتب الرسل الأناجيل، كتبوها باللغة اليونانيَّة. اللغة اليونانيَّة هي لغة الأصل، ثم تمَّت ترجمتُها إلى لغاتٍ أخرى. لا يمكن لترجمة أن تكون أهم من أصلها. 

أما عن أماكن تواجد هذه المخطوطات العربيَّة، فهي ليست محصورةً فقط في جامعة أكسفورد أو برمنغهام، بل تتواجد في العديد من المكتبات الوطنيَّة الكبرى والمشهورة حول العالم. 

ذكرنا المكتبة البريطانيَّة (British Library)، وهناك مكتبة بودليان في أكسفورد (Bodleian Library)، ومكتبات في ألمانيا وفرنسا (Bibliothèque Nationale) ومكتبة الفاتيكان (Vatican Library). كل هذه المكتبات الكبيرة تحتوي على عددٍ كبير من المخطوطات العربيَّة؛ مما يدل على انتشارها الواسع، وأهميتها التاريخيَّة.

أما بالنسبة لمصدر نَسْخ هذه المخطوطات العربيَّة، فهو شرقُنا الحبيب. الأناجيل والمخطوطات نُسخت في الأديرة القديمة المنتشرة في الشرق، حيث كان النُسَّاك والنَّسَّاخون يقومون بعمليَّة النَّسخ الشاقة والمُتقَنَة. كانت عمليَّة النسخ تتم في الشرق، وأبرز مثال على ذلك هو دير سانت كاترين في مصر، وهو أحد أهم الأديرة القديمة التي حفظت هذه المخطوطات. 

توجد أيضًا أديرة في فلسطين وسوريا (مثل حلب) ولبنان (مثل دير البلمند) وقد كانت مراكز نشطة لنسخ المخطوطات العربيَّة. فالمخطوطات التي نجدها اليوم في الغرب كلها جاءت من الشرق.

  متى نُسِخَت النُّصوص؟

أقدم مخطوطة عربيَّة منسوخة وموجودة بين أيدينا اليوم تعود إلى حوالي 800 ميلاديَّة، أي تقريبًا إلى القرن الثامن الميلادي أو بداية القرن التاسع. هذا لا يَعني أنه لم تكن هناك مخطوطات أقدم من ذلك، لكن هذا هو أقدم ما هو موجود بين يدينا اليوم. 

على سبيل المثال، مخطوطة فاتيكان أرابيك 13 (Vatican Arabic 13) موجودة في الفاتيكان ونُسخت حوالي 800 ميلاديَّة. هناك عدد لا بأس به من المخطوطات من القرن التاسع؛ مما يشير إلى نشاط واهتمام كبير بنسخ المخطوطات العربيَّة في ذلك الوقت. 

ثم نرى نهضةً جديدةً، واهتمامًا متزايدًا في نسخ المخطوطات العربيَّة خلال القرنين العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. يمكن القول إن القرنين التاسع والثالث عشر كانا أكثر الفترات التي شهدت اهتمامًا بنسخ المخطوطات العربيَّة للأناجيل.

 ❖   ما هي لغة الأصل التي ترجم منها النص العربي؟ 

دراستي للمخطوطات العربيَّة أكدت أن بعض المخطوطات تُرجم عن السريانيَّة، والبعض عن اليونانيَّة، والبعض عن القبطيَّة، والبعض عن اللاتينيَّة. المخطوطات التي تُرجمت عن نص يوناني مهمة جدًا، وفيها أنواع مختلفة مثل النص البيزنطي (الذي نجده في ترجمة فان دايك) والنص السكندري. 

أما المترجمة عن السريانيَّة، فغالبًا ما تعود للنص البسيط (البيشيتا)، وبعضها يُظهر قراءاتٍ من السرياني القديم. بالإضافة إلى ذلك، لدينا مخطوطات هي خليطٌ من السريانيَّة واليونانيَّة، أو تُرجمت من إحداها وصُححت بالأخرى. 

كما توجد نصوص تُرجمت عن القبطيَّة، مثل عمل ابن العسال في القرن الثالث عشر، ونصوص أخرى ترجمت عن اللاتينيَّة. هذا التنوع يظهر غنى الترجمة العربيَّة وشموليتها لمختلف الأصول القديمة.

إعداد‌‌: مينا نبيل 

المصدر‌‌: مصداقية الكتاب”المخطوطات العربية”حكمت قشوع حلقة‌‌8‌‌ جزء‌‌2‌‌  

التصنيف‌‌: (موحدون أم مشركون – صحة الكتاب).

مواضيع تهمك
شارك اصدقائك