أعمال الرسل
Roma

سِفْر غَيَّر وَجْهَ العالم؟
اختار اللهُ الكَنيسة لتكون المسؤولةَ عن نَشْر الإنجيل في العالم أجمع. وكلمة إنجيل لمَن لا يعرف هي كلمةٌ يُونانيَّة، تَعني “البِشارة المُفرحة” أو “الأخبار السَّارة”. هي لا تَعني “كتاب؛” كما يعتقد البعض؛ لكنَّ الإنجيل هو عددٌ من الأخبار السمَّاويَّة الإلهيَّة، التي تمَّ تدوينُها من قِبل تلاميذ السيد المَسيح “الحَواريين”، وهي رسائل عميقة عظيمة، تبعث في قلب الإنسان الراحة والأمان والحريَّة والمعرفة والحق والهدايَة، تماما كما قالها، وأخبرَ بها المَسيحُ تلاميذه والجموع، أثناء فترة وجوده على الأرض.
المحتوي
البدايَة من أورشليم وإرسال الروح القدس
بعد صعود المَسيح له كلُّ الإكرامُ والتَّقدير إلى السَّماء، حملت الكنيسةُ على عاتقها إيصال رسالة الإنجيل إلى آخرين. وكانت أورشليم هي مكان ميلاد الكنيسة. وقد أوصى الرَّبُّ يسوعُ تلاميذه أن ينتظروا في أورشليم؛ حتى يحلَّ عليهم الروح القدس، على أن يشهدوا بعد ذلك في هذه المدينة أولا، مِن ثمَّ مناطق اليهوديَّة والسَّامرة؛ انطلاقا إلى أقصى الأرض. وفى اليوم الخمسين من بعد قيامته؛ حلَّ الروح القدس على التلاميذ، وابتدأت الشَّهادة.
سِجلٌّ لتاريخ الكنيسة الأولى
وعن موضوع مقالتنا، سِفر أعمال الرُّسل، فهو السِّفر الخامس من أسفار العهد الجديد؛ ويحكى قصه الرُّسل والمُبشِّرين، الذين حملوا بقوةٍ واقتدار، المسؤوليَّة العظيمةَ، في نَشْر أخبار الخلاص والفداء المفرحة لكل البشريَّة، التي كانت ترزح تحت وطأة حُكم روماني شديد القسوة، وعبادات وثنيَّة لا حصرَ لها.
يتضمن هذا السِّفرُ تاريخ خدمة الرسل وأعمالهم، وما احتملوه من مَشَقَّاتٍ واضطهاداتٍ؛ لذا دُعِي بهذا الاسم. لكنَّه بالأكثر يشدد على عمل اثنين من الرسل في تأسيس الكنيسة، تحديدا هما (الرَّسول بطرس والرَّسول بولس). إذ قد اختار المسيحُ بطرس خلال أيام تجسُّده على الأرض؛ ليُبشِّر اليهودَ، وبعد صعود الرَّب إلى السماء؛ اختار بولس لينشر رسالة الإنجيل بين الأمم (أي غير اليهود في العالم أجمع) بشكلٍ أوسع.
يقدم لنا “أعمال الرسل” روايَةً وشَهادة عيان لانتشار عمل الروح القدس، ومولد الكنيسة وانتشارها، إذا ابتدأت بجماعة صغيرة من التلاميذ في أورشليم، كرزت، وأجرت معجزات، وعملت في المجامع والمدارس والبيوت والأسواق والمحاكم. عملت في الطرقات أيضا، وعلى التلال، وفى السُّفن. وهم التلاميذ الذين أينما أرسلهم الله؛ تغيَّرت حياة آلاف البشر، فتبدَّل لاحقا التاريخُ في جميع أرجاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة بقوة عمل روح الرب القدوس.
وحدة الكنيسة وامتداد تأثيرها
هذا السفر أيضا هو أحد أهم كُتب العهد الجديد؛ فمن خلاله استطعنا معرفة مرحلة تكوين الكنيسة، وانطلاقها إلى كل العالم، كما يُظهِر لنا وحدة الكنيسة بقوله إنَّ أعضاءها كانوا دائما (بنفسٍ واحدة).
أعضاء هذه الجماعة الصَّغيرة استطاعوا أنْ يشهدوا للحق، رغم كل مقاومة داخليَّة وخارجيَّة، يهوديَّة ووثنيَّة، سياسيَّة ودينيَّة، فانتشرت المسيحيَّة وما زالت تنتشر.
يعتبر هذا السفر همزة وصل بين حياة يسوع المسيح وحياة الكنيسة؛ فهو الشاهد لامتداد البشارة، فالمسيح بدأ خدمته من الجليل، ثم تقدَّم خُطوةً نحو أورشليم، ومن أورشليم تبدأ الكنيسة المسيحيَّة في التقدُّم إلى اليهوديَّة والسَّامرة، ثم إلى إنطاكيَّة، إلى أن وصلت الرسالة إلى أوربا (روما) ثم إلى أقصى الأرض. هذا السفر مفاده أنَّ الكنيسة نمت سريعا، وازداد بشدة عدد المؤمنين برسالتها في جميع أرجاء السكونة، رغم كل ما واجهته من صعوبات.
لمحات عن نمو الكنيسة في سفر الأعمال:
يهتمُّ سِفر أعمال الرُّسل بتسجيل نمو الكنيسة الأولى بشكلٍ دَقيقٍ مُمنهج؛ فنجده يسرد تفاصيلَ عن هذا التقدُّم في جُملٍ ولمحاتٍ ومعلومات سريعة،
على سبيل المثال لا الحصر أبدا:
“نحو ثلاثة آلاف نفس” (أع 2:41)
فَقَبِلُوا كَلامَهُ بِفَرَحٍ وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَحْوَ ثَلاثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ.
“نحو خمسة آلاف” (أع 4:4)
وَكَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، فَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفٍ.
“جماهير من رجالٍ ونساء” (أع 5:14)
“وَيُؤْمِنُ بَنُو الرَّبِّ وَيِلْتَحِقُ جَماعَاتٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى الرَّبِّ.”
“120 شخصا” (أع 1: 15).
بحسب القانون اليهودي كان الحدُّ الأدنى للعدد المسموح به لتأسيس جماعة لها مجلسُها الخاص هو 120شخصا؛
“وَإِذْ كَانَ بُطْرُسُ فِي وَسَطِ التَّلاَمِيذِ، وَكَانَ عَدَدُ الأَسْمَاءِ مَعًا نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ.“
“الخلاص به وحده وليس سواه” (أع 12:4)؛
“فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الخَلاصُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْمٌ آخَرَ تَحْتَ السَّمَاءِ قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نُخَلَّصَ. “
ففي العالم الروماني في ذلك الوقت كثيرا ما كانوا يهتفون للامبراطور بأنه (المٌخلِّص)، وأيضا بأنه (إله).
خاتمة: سفر الشهادة والتغيير
استخدم سِفر أعمال الرسل كلمة (شهادة) أكثر من ثلاثين مرة؛ ليبين أنَّ الكنيسة الحقيقيَّة هي كنيسة شاهدة أمينة. وأنَّ كل مسيحي مؤمن مدعو ليكون شاهدا للمسيح (استطاع جيل الرُّسل الذي كان جماعةً صغيرة مضطهدة أن يحمل رسالة الانجيل إلى جميع أنحاء العالم آنذاك).
في ضوء هذه الحقائق، يَظهر سفر أعمال الرسل كوثيقة حيَّة لبدايَة أعظم رسالة في التاريخ. كنيسة صغيرة غيَّرت مسار العالم بقوة الروح القدس والشهادة للحق.
وما تزال الرسالة مستمرة، لتصل إلى كل إنسان في كل مكان وزمان.
جديرٌ بالذِّكر أنَّ زمن كتابة سفر أعمال الرسل يُقدّر عادةً ما بين سنة 60 إلى 70 ميلاديَّة، تحديدا والأكثر احتمالا بين العامين 60 – 62 م. ويُرجَّح أنَّ كاتبه
هو لوقا الإنجيلي، الذي دوَّن السفر بعد إنجيله الذي يحمل اسمه أيضا، وقد كان شاهدًا ومعاصرًا لكثير من الأحداث التي سردها،
خاصةً تلك التي رافق فيها الرسول بولس.
عِلما بأننا سنتناول في مقالةٍ قادمة بشيءٍ من التَّفصيل والتَّعريف عن كاتب سِفر الأعمال.
الكاتب/ الشيخ فيكتور فهمي عويضة، شيخ الكنيسة الإنجيليَّة بالقُللي