كيف صاغت اليهودية والمسيحية فلسفة الصَّوم؟
Roma

كيف صاغت اليهودية والمسيحية فلسفة الصَّوم؟
تُعتبر ممارسة الصوم من أقدم الشعائر الدينية التي عرفتها البشرية، حيث مثَّلت عبر العصور وسيلة منهجية للسيطرة على الرغبات المادية وتقوية الإرادة الإنسانية. وفي سياق الأديان الإبراهيمية، لا يُعَدُّ الصوم مجرد امتناع عن الطعام،
بل هو منظومة تشريعية متكاملة تهدف إلى ضبط إيقاع الحياة البشرية، وتوجيه الفكر نحو القضايا الوجودية والروحية. وستحاول هذه المقالة رصد الفوارق الجوهرية والسمات التشريعية للصوم في كلٍّ من اليهودية والمسيحية من منظور بحثي تاريخي، مستندةً على النُّصوص التأسيسية والقواعد الفقهية التي تحكم هذه الممارسات في كلا المعتقدين.
المحتوي
الصوم في التشريع اليهودي: مفهوم تذليل النفس
يرتبط الصوم في الفكر اليهودي بمصطلح “تعنيت” الذي يشير في أصله اللغوي إلى تذليل النفس أو إخضاعها.
ومن الناحية البحثية، نجد أن الصيام في اليهودية ينقسم إلى فئتين رئيستين: الأصوام التوراتية والأصوام الربانية. يعتبر “يوم كيبور” أو يوم الغفران هو الصوم الوحيد الذي ورد ذِكْرُه صراحةً في أسفار موسى الخمسة، حيث يُلزِم التشريعُ اليهوديُّ المؤمنين بالانقطاع الكامل عن الطعام والشراب لمدة خمس وعشرين ساعة متتالية.
لا يقتصر الامتناع في هذا اليوم على المأكل والمشرب فحسب، بل يمتد ليشمل خمس محظورات أساسية هي:
الأكل والشرب، والاستحمام للتنعُّم، ودهن الجسم بالزيوت، وانتعال الأحذية الجلدية، والمعاشرة الزوجية.
الهدف من هذا التشريع هو الوصول إلى حالة من التجرُّد التام للتركيز على التوبة الجماعية السنوية.
عَلاوةً على يوم الغفران، استحدث القادة الدينيون (الحاخامات) أصوامًا أخرى ترتبط بوقائع تاريخية قومية،
وأبرزها صوم “تاسع آب” الذي يحيي ذكرى خراب الهيكل الأول والثاني.
ويُصَنَّف هذا الصوم ضمن الأصوام الكبرى التي تستمر يوما كاملا من الغروب إلى الغروب.
وهناك أيضا أصوام صغرى تبدأ من طلوع الفجر إلى ظهور النجوم، مثل صوم “جدليا”
وصوم “عشرة طيبيت“.
فالسِّمة الغالبة على الصوم اليهودي هي الارتباط بالبُعد التاريخي والقومي، حيث يتحول الامتناع عن الطعام إلى أداة تذكُّر جماعية للمآسي أو الانتصارات التي مرَّ بها الشعب؛ مما يجعله طقسا له طابع يرتبط بالهُوية، بل طقسا تاريخيا بامتياز، يهدف إلى تعزيز الوحدة والترابط من خلال المشاركة في الحرمان المادي.
الصوم في العقيدة المسيحية: من الفرض إلى النُّسك الروحي
مع ظهور المسيحية، حدث تحول منهجي في مفهوم الصيام، حيث انتقل من كونه فرضا قانونيا مرتبطا بأيام حداد قومي إلى ممارسة نُسكية تهدف إلى تدريب الروح وتنقيتها. يستند الصوم في المسيحية إلى المبدأ الذي أرساه السيد المسيح حين صام أربعين يوما في البرية قبل بدء رسالته؛ وهو ما جعل الصوم في الفكر المسيحي يرتبط دائما بفكرة “الاستعداد” للخدمة أو للأعياد الكبرى.
من الناحية الطقسية، تختلف القواعد بين الطوائف المسيحية بشكل ملحوظ؛ ففي الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، يتسم الصوم بالصرامة والكثافة الزمنية، حيث تزيد أيام الصوم عن نصف أيام السنة. يعتمد الصوم الأرثوذكسي على مرحلتين: الأولى هي الانقطاع التام عن الطعام لعدة ساعات (الصوم الانقطاعي)، والثانية هي الامتناع عن الأطعمة ذات المصدر الحيواني (اللحوم، الألبان، البيض، والأسماك في بعض الأصوام) والاكتفاء بالأطعمة النباتية.
أما في الكنيسة الكاثوليكية، فقد شهدت قوانين الصيام تبسيطا كبيرا بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، حيث تم التركيز على مفهوم “الإمساك” عن اللحوم في أيام محددة مثل أيام الجمع في الصوم الكبير، وتقليص أيام الصوم الإلزامي إلى يومي أربعاء الرماد والجمعة العظيمة فقط. في المقابل، يرى الفكر البروتستانتي أن الصوم ممارسة اختيارية تماما، لا ترتبط بأيام محددة أو أطعمة معينة، بل يقوم بها الفرد أو الجماعة كنوع من التفرغ للصلاة العميقة وطلب الإرشاد الإلهي، مع التشديد على ضرورة بقاء هذا الفعل سرا بين الإنسان وخالقه.
وبشكل عام، يهدف الصوم المسيحي إلى تحقيق سيادة الروح على الجسد، وتوفير ما يتم توفيره من تكاليف الطعام لصالح الفقراء والمحتاجين؛ مما يعطيه بُعدا إنسانيا واجتماعيا يتجاوز مجرد الامتناع عن الأكل.
المصادر
1. كتاب دليل الممارسات الدينية اليهودية للحاخام إسحاق كلاين.
2. كتاب الصيام والإطعام في التقاليد الثلاثة للمحرر كيفن كورن.
3. كتاب الصوم في الأديان القديمة والشرائع الموسوية للباحث ناصر الدين الكاملي.
• إعداد/ مينا نبيل