يسوع كما لم تعرفه من قبل

Roma
يسوع كما لم تعرفه من قبل

  يسوع كما لم تعرفه من قبل

يَكيفيكَ أن تُطالع فقط عناوين الأخبار يوميا في المواقع الإلكترونيَّة، أو عبر مِنصات التواصل الاجتماعي على اختلاف أنوعها وأشكالها، حتى تُصاب بإحباطٍ شديد، خوف، يأس، قلق، اضطراب، فقدان للسلام والرَّاحة، فتضطرُّ سريعا للجوء إلى أي أمور ترفيهيَّة عبر السوشيال ميديا؛ في محاولاتٍ ربما أغلبها، أو كلها، لا يفلح في إزالة التَّوتر، أو جَعلْك تنسى ما يحدث حولك في العالم الخارجي القريب منه قبل البعيد، هذا فقط إن كنتَ تكتفي بقراءة الأخبار!

ما بالُك لو  تتفحَّصُها وتقرأها بعمقٍ وعنايَة؟! أعرفُ بالصدق أشخاصا يجدون صعوبةً في النَّوم من كثرة الهَمِّ والانشغال!

لهذا قالها السَّيد المسيح منذ أكثر من ألفي عام، إنَّ السَّلامَ الذي يُعطيه للبشر يختلف تماما وكُليا، عن أيَّة محاولات يحاول البشرُ يائسين بائسين، أن يصنعوا من خلالها السَّلام والرَّاحة؛ لأن السَّلام الذي يأتي من العالم الخارجي نبعُه محض محاولات للتغلب على الحُزن والخوف، دون التعامل مع ما يُشبع قلب الإنسان ويَرويه. 

أما. فهكذا قال: “سلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.” (إنجيل يوحنا 14: 27).

في هذه المقالة، نغوصُ معا في رحلةٍ تأمُّليَّة في طبيعة ومظاهر مَحَبَّة السَّيد المَسيح للبشر، خلال فترة تواجُده على أرضنا!

   لكن ما هي المَحَبَّة الحقيقيَّة؟ 

هل هي مُجرَّد مشاعر؟ أم طريقُ حياة؟

في قلب تعاليم الرَّب يسوع، لا نجد مجرد كلمات عن المَحَبَّة، بل حياة مملوءة بها، تُقدَّم للجميع، بلا استثناء، بلا شروط، وبلا مقابل.

دعونا نستكشف جمال هذه المَحَبَّة التي عاشها يسوع، ودعا العالم كله أن يذوقها.

   تعريف المَحَبَّة في تعاليم الرَّب يسوع

المَحَبَّة في تعاليم المسيح هي انعكاس لطبيعة الله؛ هي عطاءٌ وتضحية وغفران بلا شروط، إذ أنَّ “اللهُ مَحَبَّة” كما جاء في (رسالة القديس يوحنا الأولى ٤: ٨).

المَحَبَّة في تعاليمه أيضا وصيَّةٌ مقدسة تُمارَس، بالفِعل لا القولِ، تجاه الجميع، حتى الأعداء؛ لهذا مَن يعرف الله بحق، لابُدَّ وأن تكون حياته مليئة بالمَحَبَّة. ومَن لا يحب، مهما ادَّعى الإيمانَ، فهو لا يعرف الله كما يجب. المَحَبَّة المقصودة هنا ليست مشاعر نبيلة، لكن أفعالٌ عَمليَّة، مثل:

  •    العطاء بلا انتظار مقابل.
  •     الغفران.
  •     قبول الآخر.
  •     التضحية من أجل الغَير والخَير.
  • هذا نراهُ جَليا في بعض الآيات مثل؛
  •  «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ… وَتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ» (إنجيل متى ٢٢: ٣٧–٣٩).
  •     «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُم، بَارِكُوا لاَعِنِيكُم…» (إنجيل متى ٥: ٤٤).
  •    «وَصِيَّة جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (إنجيل يوحنا ١٣: ٣٤).

   كيف عبَّر المسيحُ عن المَحَبَّة عمليا؟

لم يُعَلِم المَسيح عن المَحَبَّة فقط، بل عاشها. وها بعض الأمثلة التي تُظهر كيف عبَّر عن تلك المَحَبَّة بأفعالٍ ملموسة:

     أطعم الجياع:

ذلك في مُعجزةٍ ضخمة أطعم فيها المَسيح آلافا من الجموع، بعدما انتهى الطعام من الجميع؛ إذ كانوا يستمعون لوقتٍ طويل لعظةٍ ذهبيَّة له اسمها

الموعظة على الجبل“! أدعوك عزيزي لقراءتها كاملةً! «فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا…» (إنجيل مرقس ٦: ٣٧).

   شفى المرضى:

الإنجيل المقدس مليء بعدد ضخم من معجزات شفاء السيد المسيح لمرضى كثيرين؛ بأمراضٍ وأوجاعٍ كثيرةٍ مختلفة. وقد كان يشفي الجميع دون استثناء!

«فَخَرَجَ يَسُوعُ، وَأَبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا، فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، وَشَفَى مَرْضَاهُمْ» (إنجيل متى ١٤: ١٤).

 احتضن الأطفال:

كان السَّيد المَسيح يُحبُّ الأطفال جدا، وكانوا هم أيضا يُحبونه، والأطفال دائما لا يحبون أو ينجذبون أو يقتربون من غيرالأشخاص الذين يشعرون معهم بالأمان والراحة والمحبة والاهتمام والصدق! «فَاحْتَضَنَهُمْ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ، وَبَارَكَهُمْ» (إنجيل مرقس ١٠: ١٦).

   غفر للخطاة:

كان المَسيحُ يغفر خطايا الخُطاة الذين يأتون إليه بقلوب صادقة تريد التَّوبة والتغيير!

«مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ… إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ» (إنجيل لوقا ٧: ٤٨، ٥٠).

  شَمَلَ بمَحَبته الجميع وليس خاصَّته فقط:

   المرأة السامريَّة (إنجيل يوحنا ٤: ٧–٢٦)

كان السَّامريون مُحتَقَرين من اليهود دينيا وعِرقيا. رغم ذلك، جلس يسوع مع امرأةٍ سامريَّة، وتحدَّث معها بمحبة، وكشف لها عن شخصه كالمسيَّا المُخَلِّص المُنتَظَر. في محبةٍ تجاوَزَت الحواجز الدينيَّة والاجتماعيَّة.

  قائد المئة الروماني (إنجيل متى ٨: ٥–١٣)

وهو قائد كتيبة روماني، غريبا كان عن بني إسرائيل، وممثل للسُّلطة الرُّومانيَّة المحتلة. مع ذلك، مدح يسوع إيمانه وشفى خادمه. فكانت الرسالة: أنَّ المسيح لا يُفرِّق بين يهودي وأممي، بل ينظر إلى الإيمان والمحبة.

  الأبرص (إنجيل مرقس ١: ٤٠–٤٢)

أيُّ أبرص في ذلك الوقت كان منبوذًا وممنوعًا من الاقتراب من الناس. لكن يسوع لم يكتفِ بالكلام معه، بل مَدَّ يده ولمسه، وشفاه؛ فكانت الرسالة: أنَّ محبته تلمس المنبوذين، وتشفيهم.

   المَرأة الزَّانيَة

وهي امرأةٌ أُمسِكَت وهي تزني، وقد أحضروها للسيد المَسيح؛ كي ما يختبروا ردة فِعله تجاهها، وبدلا من رَجْمها كما طالب الناموس، قال:

“مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيئَةٍ، فَلْيَرْمِها أَوَّلًا بِحَجَرٍ.” ثم قال لها بمحبة: “وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبي، وَلاَ تَعُودِي إِلَى الخَطِيئَةِ.”

فكانت رسالته لها ولنا جميعا رسالة محبة تعطي فرصة للتوبة، لا للإدانة.

     أعداؤه على الصليب: 

في محبةٍ تتخطى حدود العقل البشري، صلى السيد المَسيح لأجل أعدائه الذين صلبوه وعذبوه على الصليب، بدلا من لَعْنهم أو الانتقام منهم!

«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (إنجيل لوقا ٢٣: ٣٤).

   المَحَبَّة هي جوهر رسالة المسيح

مَحَبَّة السَّيد المسيح ليست مجرد وصيَّة أعطاها للبشر، بل هي جوهر رسالة المسيحيَّة منذ لحظة مولده وحتَّى الصليب. هو أحبَّ لدرجة أنه اختارَ بعد كل هذا الرصيد من العطاء والتفاني والبذل وتسديد الاحتياجات النفسيَّة والروحيَّة والجسديَّة، أن يذهب للموت طواعيَّة؛ نيابةً عن كل إنسانٍ شرير فاسد

«بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّة: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لِأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لِأَجْلِ الإِخْوَةِ» (رسالة القديس يوحنى الأولى ٣: ١٦).

ختاما..

نؤمن أنَّ السَّيد المَسيح هو الله الذي تجلى في جسمٍ إنساني للبشر؛ ليكشف لهم عن ذاته، وعن حقيقته الرائعة المُحِبة الصالحة؛ وكي يفتديهم أيضا من الهلاك. ولأن الله نفسه مَحَبَّة، فمَحَبَّة الإنسان لأخيه الإنسان دليل على أنَّه حقا يتبع الله. هكذا يقول الكتاب المقدس.

“اللهُ مَحَبَّة، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّة يَثْبُتْ فِي اللهِ، وَاللهُ فِيهِ.”

(رسالة القديس يوحنا الأولى ٤: ١٦). 

مَحَبَّة يسوع لم تُفرَض، بل قُدِّمت كدعوةٍ مفتوحة. والآن هي مُوَجَّهة لكل مَن يشتاق أن يعرف الله. إن كانت هذه المَحَبَّة قد لامست قلبك، فلماذا لا تفتح له الباب؟ يسوع لا يفرض نفسه، بل يقف وينتظر، فهل ستدعوه يدخل قلبك ويُغير حياتك؟!

الكاتب/ مينا نبيل

 

مواضيع تهمك
شارك اصدقائك