رســالة عـن بُــعد

Roma
 رســالة عـن بُــعد

رســالة عـن بُــعد

كان اليهود في أورشليم مكونين من نوعين: اليهود الأصليين الذين وُلدوا في اليهودية، ويرجع أصلهم إلى هؤلاء اليهود الذين رجعوا مع زربابل وعزرا ونحميا من بابل،

ويهودٌ آخرون اسمهم يهود الشتات، وهؤلاء لهم جنسياتٌ متعددةٌ؛ لأنهم لم يرجعوا في القديم إلى اليهودية، بل عاشوا في بلدانٍ متعددةٍ، وكانوا يأتون إلى أورشليم في مناسبات الأعياد، وبعضهم قرر أنْ يستقر في أورشليم، وهؤلاء صنعوا لأنفسهم مجتمعًا للصلاة مختلفًا عن الهيكل.

لم تكن هناك ضرورةٌ لوجود أيِّ مجمعٍ في أورشليم؛ لأنَّ أورشليم بها الهيكل، فكانت المجامع تؤدي وظيفة الهيكل في البلدان التي تبعد عن الهيكل مسافاتٍ طويلةٍ؛ فيكون المجمع هو البديل للهيكل في التعليم والصلاة وسماع كلمة الله، أمَّا أنْ يكون هناك مجمعٌ في المدينة نفسها التي بها الهيكل، فهذا له معنى كبيرٌ.

ورأينا في سفر أعمال الرسل أنَّه كان هناك مجمعٌ في أورشليم مخصصٌ اسمه مجمع اللِّيبَرْتِينِيِّينَ وَالْقَيْرَوَانِيِّينَ وَالإِسْكَنْدَرِيِّينَ. فلماذا أنشأ هؤلاء اليهود هذا المجمع؟ وفي هذا المكان؟

في الواقع، لقد كان هذا نوعًا من التحدي لسياسة المواطنين اليهود الأصليين،

وتحديًا لرجال الهيكل الصدوقيين؛ فبإنشائهم هذا المجمع أعلنوا أنَّهم انقسموا على المجتمع اليهوديِّ،

وبهذا نعرف أنَّه كان هناك انقسامٌ سافرٌ بين اليهود الذين من الشتات، وبين يهود أورشليم.

لقد رفض يهود الشتات الهيكل، وتنكروا لمركزيته.

وإن جاز التعبير، جاءت المسيحية لتزيد الطين بِلَّةً..فعلى الرغم من استمرار الكنيسة بالصلاة في الهيكل، إلَّا أنَّ كثيرين انقسموا بقبولهم للمسيح عن اليهود الأصليين.. فصار لدينا في أورشليم أربعةُ أقسامٍ من اليهود: يهودٌ رفضوا المسيح، ويعبدون في الهيكل، ويهودُ شتاتٍ رفضوا المسيحيَّ، ويعبدون في مجامعَ متحديةٍ مجمعَ اليهود، ويهودٌ أصليون قبلوا المسيح، ويعبدون في الهيكل وهناك يستمعون إلى تعاليم الرسل التي هي تعاليم المسيح، ويهودُ شتاتٍ قبلوا المسيح، وهؤلاء رجعوا ليصلوا في الهيكل؛ لكي يكونوا جسدًا واحدًا مع إخوتهم المؤمنين الذين من أصلٍ يهوديٍّ.

وبدأت مشكلةٌ جديدةٌ..عاناها الشخص الأبرز من يهود الشتات المؤمنين، الشماس المتقدم بين الشمامسة استفانوس. ويبدو أنَّ رجال مجمع الشتات غضبوا عندما ترك استفانوس ومن معه المجمع، واعتبروا هذا نوعًا من أنواع الخيانة؛ لذلك أرادوا محاورته، وبدأت تظهر صورة المسيح من جديد في وجه استفانوس، ويبدأ سيناريو محاكمته. بالتفاصيل نفسها التي حُكِمَ بها على سيده المسيح: شهودُ زورٍ، واللجوءُ إلى الكهنة… والنهايةُ الأليمةُ.

لنقرأ ما كتبه سفر الأعمال:

“فَعَارَضَهُ بَعْضُ الْمُنْتَمِينَ إِلَى مَجْمَعِ اللِّيبِيرْتِينِيِّينَ (جَمَاعَةِ الْعَبِيدِ الْمُحَرَّرِينَ) ، يُسَانِدُهُمْ بَعْضُ الْيَهُودِ مِنَ الْقَيْرَوَانِ وَالإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ مُقَاطَعَتَيْ كِيلِيكِيَّا وَآسِيَا، وَأَخَذُوا يُجَادِلُونَهُ. وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ مُقَاوَمَةِ حِكْمَتِهِ وَالرُّوحِ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ. فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلّا أَنْ دَفَعُوا رِشْوَةً لِبَعْضِ الأَشْخَاصِ لِيَقُولُوا: «سَمِعْنَا اسْتِفَانُوسَ يَتَكَلَّمُ بِالتَّجْدِيفِ عَلَى مُوسَى وَعَلَى اللهِ!» فَأَثَارَتْ هذِهِ التُّهْمَةُ الشَّعْبَ وَالشُّيُوخَ وَالْكَتَبَةَ عَلَى اسْتِفَانُوسَ، فَأَلْقَوْا الْقَبْضَ عَلَيْهِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى الْمَجْلِسِ.” (أعمال 6: 9-12)

لم يكن استفانوس رجلًا محدودَ المواهب، بل على العكس، لقد كان دارسًا جيدًا لكلمة الله، وكان مواظبًا على تعليم الرسل، وأصبح عضوًا عاملًا في كنيسة المسيح عندما قرر يهود الشتات محاكمته.

ونلاحظ من حوار استفانوس وجود مدرسةٍ واحدةٍ من التعليم لم تتغير؛ يبدأون من العهد القديم،

ويشرحون تاريخ معاملات الله إلى أنْ يصلوا إلى المسيح، حقٌّ متكاملٌ وواضحٌ،

يؤدي إلى حتمية الوصول إلى موت وقيامة المسيح.

وهذا ما فعله استفانوس، وكان يقف عن بعدٍ رجلٌ يصغي باهتمامٍ لذلك الرجل الذي ينتمي إلى هؤلاء اليهود المرتدين، أتباع الطريق، وكان هذا الرجل فريسيًّا من طرسوس، أيضًا يمكن أنْ نسميهم من يهود الشتات، وهو فيلسوفٌ يهوديٌّ

تخرج من جامعة طرسوس واسمه شاول… وقف عن بعدٍ، إلى أنْ أتى وقت الرجم؛ ليرمي الشهودُ الزُّورُ ملابسهم

عند قدميه، ويذهبون لتتميم المهمة المقدسة وهي رجم استفانوس.

وعن بعدٍ كانت رسالةٌ خفيةٌ لم يعرف شاول طبيعتها، ولكنها رسالةٌ تركت في داخله أثرًا لا يمحى من ذلك الوجه المضيء، على الرغم ممَّا يواجهه من حجارةٍ مميتةٍ.

رسالةٌ عن بعدٍ استطاع شاول أنْ يفكَّ طلاسمها بعد ذلك بأكثر من ثماني سنواتٍ.

وانتهت محاكمة استفانوس نهايةً مأساويةً، رأينا فيها صورة المسيح للنهاية،

لم يُعلَّق على خشبةٍ، ولكنه مات رجمًا، وهو يموت كان يقول ما تعلمه من سيده.. لنقرأ النص من سفر الأعمال:

فَلَمَّا سَمِعَ الْمُجْتَمِعُونَ كَلامَ اسْتِفَانُوسَ، مَلأَ الْغَيْظُ قُلُوبَهُمْ، وَأَخَذُوا يَصِرُّونَ بِأَسْنَانِهِمْ تَوَعُّدًا.

فَرَفَعَ اسْتِفَانُوسُ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ مُمْتَلِىءٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ اللهِ، فَقَالَ: «إِنِّي أَرَى السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ اللهِفَصَاحُوا صِيَاحًا شَدِيدًا، وَسَدُّوا آذَانَهُمْ وَهَجَمُوا عَلَيْهِ هَجْمَةً وَاحِدَةً، وَدَفَعُوهُ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ، وَأَخَذُوا يَرْجُمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. وَخَلَعَ الشُّهُودُ ثِيَابَهُمْ عِنْدَ قَدَمَيْ شَابٍّ اسْمُهُ شَاوُلُ لِكَيْ يَحْرُسَهَا. وَبَيْنَمَا كَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ، كَانَ يَدْعُو: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ، أَقْبِلْ رُوحِيثُمَّ رَكَعَ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَالٍ: «يَا رَبُّ، لَا تَحْسُبْ عَلَيْهِمْ هذِهِ الْخَطِيئَةَ

وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ.” (أعمال 7: 54–60)

الكاتب عماد حنا 

مواضيع تهمك