السامـرة تــفتح أبـوابـها
Roma

السامـرة تــفتح أبـوابـها
في قلب العواصف التي عصفتْ بأورشليمَ، وبينما كانتْ رياح الاضطهاد تهبُّ على المؤمنينَ الأوائل، كانَ هناكَ تحولٌ عظيمٌ يختمرُ في تربة السامرة. لمْ تكنِ السامرةُ مجردَ بقعةٍ جغرافيةٍ على خريطة فلسطينَ، بل كانتْ رمزًا للانقسام والصدام الثقافي والديني بينَ اليهود والسامريينَ. لطالما كانتْ أسوارُ الكراهية والشكوك عاليةً بينَ هاتينِ المجموعتين، ولكنْ في تلكَ الأيام المضطربة، بدأَتْ هذهِ الأسوارُ تتصدعُ تحتَ وطأة قوة أعظم.
والغريبُ أنَّ السامرةَ هي أولُ منْ فتحَتْ أبوابَها ليهود الشتات الذينَ هربوا منْ بطش شاولَ الطرسوسيّ.
نحنُ عرفنا أنَّ أولَ نتاج لرجم استفانوسَ هو ظهورُ شاولَ الطرسوسيّ في المشهد، وعلى الرغم منْ أنَّ شاولَ تلميذُ غمالائيلَ عضو السنهدرية المعتدل، بل والذي يميلُ إلى محاولة فهم الفكر المسيحيّ، إلا أنَّ شاولَ الطرسوسيَّ، كانَ هو الشابَّ المتعصبَ، وكانَ يصولُ ويجولُ في أزقة أورشليمَ؛ ينفثُ سمومَ الكراهية ضدَّ أتباع يسوعَ. كانَ يرى فيهِمْ
تهديدًا لعقيدته وتقاليده؛ فاندفعَ بكلِّ قوته لإخماد هذا اللهيب الجديد الذي انتشرَ بسرعة بينَ الناس. قبضَ على الرجال والنساء، زجَّ بهِمْ في السجون، وشهدَ بقلب قاس على قتلهمْ. كانتْ أورشليمُ ترتجفُ تحتَ وطأة هذا الاضطهاد العنيف، والمؤمنونَ يفرونَ بحثًا عنْ ملاذ آمن.
ولكنْ في قلب هذهِ الفوضى، كانتْ بذرةُ الرجاء تنمو؛ فبينما كانَ المؤمنونَ يهربونَ منْ وجه شاولَ، لمْ يهربوا منْ دعوتهمْ. حملوا معهمْ نورَ الإنجيل، وانتشروا في كلِّ مكان، يبشرونَ بالكلمة أينما حلوا. وكما أنَّ الرياحَ تحملُ بذورَ الزهور لتنثرَها في الحقول البعيدة، هكذا حملَتْ رياح الاضطهاد رسالةَ الخلاص إلى مناطقَ لمْ يكنْ أحدٌ يتوقعُ أنْ يسمعَها.
وصلَ بعضُ هؤلاءِ المؤمنينَ المتشتتينَ إلى السامرة، تلكَ الأرض التي طالما اعتبرَها اليهودُ نجسةً وملعونةً.
كانتِ السامرةُ خليطًا منَ الأعراق والثقافات، وكانتْ تحملُ في طياتها تاريخًا طويلًا منَ الصراعات الدينية.
ولكنْ في وسط هذهِ التعقيدات، كانتْ هناكَ قلوبٌ متعطشةٌ للحقِّ، وأرواحٌ تبحثُ عنْ معنى لحياتها.
دخلَ فيلبسُ السامرةَ، وهو رجلٌ مملوءٌ بالروح القدس والقوة. لمْ يترددْ في عبور الحواجز الثقافية والدينية،
ولمْ يسمحْ للكراهية القديمة أنْ تمنعَهُ منْ إعلان رسالة المحبة. بدأَ يبشرُ باسم يسوعَ، ويصنعُ العجائبَ والآيات بينَ الناس. رأى السامريونَ بأعينهمْ قوةَ الله الحية، وشعروا بلمسة الروح القدس في قلوبهمْ.
تجمعَتِ الجموعُ حولَ فيلبسَ، مُصغينَ بإنصات إلى كلماته. كانوا يرونَ فيهِ نورًا في الظلام، ورجاءً في اليأس.
سمعوا عنْ محبة الله التي تتجاوزُ كلَّ الحدود، وعنِ الخلاص الذي يقدمُهُ يسوعُ لكلِّ منْ يؤمنُ بهِ.
بدأَتْ قلوبهمْ تنفتحُ على هذهِ الرسالة الجديدة، وبدأوا يتخلونَ عنْ كراهيتهمُ القديمة. وربما منْ أشهر الشخصيات التي أعلنَتْ إيمانَها هي شخصيةُ سيمون الساحر.
أتخيلُ أنَّهُ في هذا المشهد ظهرَتْ تلكَ المرأةُ التي تقابلَتْ معَ يسوعَ قبلَ فترة قصيرة، لتتغيرَ بالكامل في مدينة سوخارَ، ويقولُ التقليدُ أنَّ اسمَها فوتينا. ربما كانتْ منبوذةً في مجتمعها، ولكنَّ اللهَ رآها وقدَّرَها.
عندما جاءَتْ إلى البئر لتستقيَ الماءَ (يوحنا 4)، ويقولُ الإنجيلُ إنَّها أولُ منْ آمنَتْ بالمسيح في السامرة،
وليسَ ببعيد أنْ يكونَ لهذهِ المرأة دورٌ في فتح السامرة للمسيح.
لمْ تكنِ السامرةُ مجردَ مكان يستقبلُ فيهِ الغرباءُ رسالةَ الخلاص، بل كانتْ أرضًا تتغيرُ وتتحولُ. بدأَتْ أسوارُ الكراهية تتهاوى، وبدأَتْ جسورُ المحبة تُبنى. رأى اليهودُ والسامريونَ في بعضهمُ البعض إخوةً وأخوات في المسيح،
وتوحدوا في عبادة الله الواحد. ومنَ السامرة خرجَتْ رسالةُ المسيح لأماكنَ أخرى كما سنعرفُ بعدَ ذلكَ.
اعداد عماد حنا