حينَ يُؤمِن القلبُ تُبصر العيون
Roma

حينَ يُؤمِن القلب، تُبصر العيون
عندما كُنَّا أطفالًا نعم كنَّا نُصدِّق كلَّ شيءٍ يُقال لنا، صحيحٌ في هذا كثيرٌ من الطفوليَّة والسَّذاجة البريئة، لكن دائمًا ما قال لنا آباؤنا بالعاميَّة “
ما تثقش في حد غير في بابا وماما بس،” ولما كبرنا قليلا واتَّسعت مداركُنا ودوائر معارفنا؛
علَّمونا كيف “نُفلتر” مَن نثق بهم ونتبعهم؛ لكن ما أريد الوصول إليه هنا هو أنَّ كلمة “بابا وماما” ووعودهم، كنا نُصدقها دون تفكير،
بل نُصدقها بشكلٍ يقيني مُطلق، تصحبه راحةٌ وفرحةٌ وسعادة؛ نبعها ثقتُنا في أنَّ ما قالوه سيحدث سيحدث!
فلو قال لي أبي مثلًا وأنا طفلٌ “سأحضر لك (لُعبة)” سأتهلل من الفرح في نفس اللحظة التي يقول لي فيها ذلك، دون تفكير أو تحليل أو تخمين أو توقعات.
بالضبط هذا هو مشابه لتعريف الإيمان في كلمة الله. أن أؤمن بكل قلبي وجوارحي أن الشيء تمَّ وحدث من قبل أن تراه عيني عيانًا.
فقط لأنَّ مصدره محل ثقة يستحيل أن يكذب أو يخدع!
هنا انتهت المقالة بالفِعل! نعم!
ما سنحتاجه فقط هو فهم التفاصيل المحيطة بهذا الموضوع الهام الخطير الذي به تُبنى حياتُنا الحاضرة والمستقبلة!
فإيماننا بأنَّ المسيح هو الرَّب الفادي المُخَلِّص هو الأساس الأوَّلي الذي بنينا عليه عقيدتنا وحياتنا؛ وما سيترتب على ذلك حاضرًا ومستقبلًا وأبدًا.
المحتوي
مفتاح الرَّجاء والسَّلام والقوَّة
لكن، في حياتنا مع الله، كثيرًا ما نقف أمام وعود لم تتحقّق بعد، أو طرقٍ لا نرى نهايةً لها. في هذه اللحظات، لا يَطلب الله مِنَّا أن نفهم كل شيء في اللحظة الآنية، تمامًا كما كان الآباءُ أحيانًا يطلبون مِنَّا أمورًا دون شرحٍ لها، معتمدين على ثقتنا في محبتهم لنا، ويقيننا في حكمتهم وقيادتهم، وقدرتهم على التنفيذ.
هذا ما يفعله الرب كثيرًا، إذ يريد أن نؤمن به، بكل تأكيد دون عدم فَهم للأمور، لكن بثقةٍ قلبيَّة تقود للتبعيَّة!
الإيمان هو أساس العَلاقة مع الله، وهو المفتاح الذي نفتح به أبواب الرجاء والسلام والقوة. إنّه الثقة الصادقة في صلاح الرب وأمانة كلمته،
حتى قبل أن ترى العين ما ترجوه النفس.
وكل من سلك بالإيمان، رأى يدَ الله تعمل حقًّا بطرقٍ تفوق التصوُّر والعقل والمنطق؛ لأن الإيمان إنَّما يحرِّك قلب الله الأبوي!
وعن تعريف الإيمان بحسب كلمة الله، يقول الكتاب المقدّس:
“وَأَمَّا ٱلْإِيمَانُ فَهُوَ ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَٱلْإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى.” (عبرانيين ١١: ١)
الإيمان بالطَّبع ليس انتظارًا سلبيًّا، بل يقينٌ داخليٌّ بأن الله يعمل، وأنَّ مواعيده صادقة، حتى وإن تأخَّرت أحيانًا بموجب علمه الكُلي المُسبق المُغلَّف بحكمته العجيبة. الإيمان هو سلوكٌ يوميٌّ بثقةٍ تامَّة في الرب، حتى عندما لا تُرى النتائج بعدُ أو لا تُفهَم الأسباب مؤقَّتًا.
أبطال إيمان ساروا دون أن يروا
يُقدِّم لنا الكتاب المقدّس أمثلةً حَيَّةً لأشخاصٍ اختاروا أن يؤمنوا بالله رغم غياب الرؤية الواضحة:
نوح: وهو رَجُلٌ بار عاش وسط جيلٍ شرير، دعاَه الرَّبُّ ليبني فُلكًا؛ للنجاة من الطوفان، فبنى الفلك؛ فقط لأنه صدَّق كلمة الله، رغم أنّه لم يكن قد رأى مطرًا بعد.
إبراهيم: أبُ الآباء، وقد دعاَه الله أن يترك وطنه ويذهب إلى أرضٍ لا يعرفها، فأطاع. ثم أطاع أيضًا حين طُلب منه أن يقدِّم ابنه إسحق ذبيحةً؛ لأنه وثق في أن الله قادرٌ أن يقيمه من الموت.
موسى: نبيُّ الله الذي نشأ في قصر فرعون، لكنه ترك كل المجد الأرضي؛ ليقود شعب الله في البرية، واحتمل في سبيل ذلك الرَّفض والصعوبات؛ لأنه “تشدَّد، كأنه يَرى ما لا يُرى”.
· راحاب: امرأة أمميَّة من أريحا، سمعت عن أعمال الله العظيمة، فآمنت به، وخبَّأت الجواسيس، وخلّصت بيتها من الهلاك، في وقتٍ كانت المدينة تستعدُّ للحرب، والناسُ يرتجفون خوفًا، لكنها اختارت الإيمان بيهوه إله شعب الرَّب؛ بدلًا من الخضوع لرعب المصير المجهول القادم.
بطرس الرسول: صياد بسيط دعاَه المسيح ليتبعه، فترك شباكه وسار وراءه. وعندما طلب منه الرب أن يمشي على الماء، نزل بثقةٍ. وإن كان قد تردَّد لحظةً، لكنه رجع وصرخ: “يا رب، نجِّني!” فرفعه الرَّب بموجب صلاحه الأبدي الذي لا يتغيَّر أبدًا.
هؤلاء جميعًا.. لم يبنوا قراراتهم على ما رأوه بأعينهم، بل على ثقتهم بمن آمنوا به.
ثمار الإيمان ونتائجه
الإيمان ليس فقط ما نبدأ به حياتنا مع الله، بل هو الذي يُغذِّيها ويقوِّيها كلَّ يوم.
بِالإِيمَان نَنَالُ التَّبْرِير:
“إِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِٱلْإِيمَانِ، لَنَا سَلَامٌ مَعَ ٱللّٰهِ.” (رومية ٥: ١)
بِالإِيمَان نَغْلِبُ العَالَم:
“وَهٰذِهِ هِيَ ٱلْغَلَبَةُ ٱلَّتِي تَغْلِبُ ٱلْعَالَمَ: إِيمَانُنَا.” (١يوحنا ٥: ٤)
بِالإِيمَان نَثْبُت فِي الضِّيقَات، ونَسْتَمِرُّ فِي الرَّجَاءِ.
فوائد الإيمان في حياة المؤمن
الإيمان ليس فقط باب النجاة، بل هو نبعٌ حيٌّ يُنعِش حياة المؤمن كل يوم. فحين تؤمن بالله، تجد:
- سلامًا داخليًّا؛ لأنَّك تعلم أن يد الله تقودك مهما كانت الظروف.
- راحةً في القلب؛ لأنَّك صرت بصدقٍ عالمًا أنَّك لن تحمل ثِقل الحياة وحدك.
- ثقةً في الغد؛ لأنَّك تؤمن أن الله يُمسك المستقبل.
- قربًا أعمق من الله، فالإيمان يُنبت عَلاقةً شخصيَّةً حيَّةً ومستمرة مع الآب.
- ثباتًا في التجربة؛ لأنَّك حينها لن تسير بالإحساس أو ما تشعر به بل بالمكتوب ف الكلمة.
أقوال الآباء عن الإيمان
- القديس أغسطينوس: “بالإيمان يدخل الله إلى القلب، وبالمحبة يسكن فيه.”
- القديس يوحنا الذهبي الفم: “الإيمان هو أن تمسك بيد الله، وتسير معه، وإن لم تُدرِك الطريق.”
- القديس كيرلس الأورشليمي: “الإيمان هو النور الذي يفتح العيون لترى ما لا يُرى، ويُثبِّت القلب في محبة الله.”
- القديس إكليمندس السكندري: “الإيمان هو عين الروح، التي تُبصر السماويات، وتُمسك بالحياة الأبدية.”
الإيمان
ليس حالةً وقتيَّة نعيشها حين تكون الأمور بخير، بل هو الثقة العميقة بأن الله حاضرٌ، ويعمل حتى عندما لا نرى أو نشعر.
الإيمان
هو تسليم القلب لله، والاعتماد عليه في كل حين، حتى لو سارت الأمور عكس التوقّعات.
ختامًا..
ثق أن الله لا يطلب منك أن ترى، بل تؤمن. وإن آمنت، سترى مجده يتحقّق في حياتك في وقته الصالح. فمن يسير بالإيمان، لا يخيب أبدًا؛ لأن الله الذي وعد هو أمين، ولا يتراجع عن كلمته.
فقد قالها السَّيد الرب لمَرثا، أخت لعازر، “أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ ٱللّٰهِ؟” (يوحنَّا ١١: ٤٠).
ذلك بعدما أمر برفع الحجر عن قبر لعازر، الذي كان قد مات منذ أربعة أيام. في الوقت الذي تردَّدت مَرثا فيه وقالت إن الجسد قد أنتن،
فذكَّرها يسوع بهذا الكلام ليحثَّها على الإيمان، ويُعلّمها أن الإيمان يفتح الباب لرؤية مجد الله، حتى في وجه الموت.
الكاتب/ مينا نبيل