رِحلة المخطوطة: مِنَ الدَّرَجِ إلى الكِتاب

Roma
رِحلة المخطوطة: مِنَ الدَّرَجِ إلى الكِتاب

رِحلة المخطوطة: مِنَ الدَّرَجِ إلى الكِتاب

إِنَّ رحلة حِفْظ النصوص القديمة عبر العصور لم تكن مُجرَّد عمليَّة نسخٍ، بل كانت مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بالمواد المستخدمة وشكل الوعاء الذي يحملها.

فالنظر إلى مخطوطةٍ قديمةٍ هو بمثابة لَمْسٍ للتاريخ، والشُّعور بالجهد المبذول في كل صفحةٍ.
فبعد أن كانت أوراقُ البردي وجلود الحيوانات (الرقوق) هي المسيطرة لقرونٍ،

شَهِدَ عالم الكتابة تحوُّلاتٍ جِذْرِيَّةً مع ظهور مادَّةٍ جديدةٍ وتطوُّرٍ ثَوْرِيٍّ في شكل الكتاب نفسه.
يستكشف هذا المقال دخول “الورق” كمادَّةٍ للكتابة، ويتتبع الانتقال الحاسم من “الدَرَج” الملفوف إلى “المُجَلَّد”

الذي يشبه كتابنا الحديث، مُبَيِّنًا كيف أعاد هذا التطوُّر تشكيل طريقة تفاعلنا مع المعرفة.
جديرٌ بالذكر، أنَّ الدَّرَج هو الشكل القديم للكتاب، وكان يتكوَّن من شريطٍ طويلٍ من البردي أو الجلد، يُلَفُّ حول نفسه، ويُقرأ تدريجيًّا بفتح لفائفه يدويًّا.

 الورق: حاملٌ جديدٌ للمعرفة

إلى جانب البرديات العريقة والرقوق الجِلْدِيَّةِ الفاخرة، ظهرت مادَّةٌ ثالثةٌ أحدثت تغييرًا واسعًا وهي الورق.
بدأ استخدام الورق في تدوين المخطوطات ينتشر بشكلٍ ملحوظٍ ابتداءً من القرن الثاني عشر الميلاديِّ، حتى أصبح المادَّةَ الأكثر شيوعًا. على الرغم من ذلك، فَإِنَّ أقدمَ مخطوطةٍ وَرَقِيَّةٍ معروفةٍ للعهد الجديد، تَسبِق هذا التاريخَ بكثيرٍ، حيث تعود إلى القرن التاسع الميلاديِّ، وهي المخطوطة المزدوجة (يوناني-عربي)

التي تحمل الرمز “GA 299”.
ووفقًا لإحصائيات العالم الشهير كورت آلاند، يبلغ عدد مخطوطات العهد الجديد المدونة على الورق اليوم حوالي 1300 مخطوطةٍ؛

مِمَّا يعكس أهميتها في فترةٍ لاحقةٍ من تاريخ النسخ. ويمكن تمييز الورق بسهولةٍ عن الرق، الذي قد تظهر عليه بقايا شعر الحيوان، بينما يتميز الورق بسطحه المُصنَّع المعروف.
ومن الأمثلة البارزة على هذه المخطوطات الوَرَقِيَّةِ، المخطوطتان رقم “5330” و”555″، اللتان تمثلان هذا التحوُّل نحو مادَّةٍ أكثر سهولةً في الإنتاج والتداول.

 الدَرَج (The Scroll): الشكل الأقدم للكتاب

قبل ظهور الكتاب بشكله الحالي، كَانَ “الدرج” هو الشَّكلُ السَّائد لتدوين النصوص. كَانَ الدرج عبارةً عن شريطٍ طويلٍ يتكون من قطعٍ من ورق البردي أو الجلد تُلصق ببعضها البعض، ثم تُلف حول نفسها بشكلٍ أسطوانيّ.

كانت قراءة الدرج مُهِمَّةً غير عمليَّةٍ، إذ تتطلب استخدام كلتا اليدين لفتح الشريط وقراءته تَدْرِيجِيًّا.

هذا الشكل الخطيُّ جعل من الصعب للغاية تحديد موقع آيةٍ أو مقطعٍ معينٍ بسرعةٍ؛ مِمَّا استلزم مِنَ القارئ فكَّ أجزاءٍ كبيرةٍ من النص للوصول إلى مبتغاه.

علاوةً على ذلك، كانت الكتابة تقتصر على وجهه الداخليِّ فقط؛ مِمَّا يحد من كمية النَّص التي يمكن أن يحتويها.
وكان طول الدرج يعتمد كُلِّيًّا على حجم العمل المدوَّن؛ فدرجٌ مخصصٌ لسِفْرٍ طويلٍ مثل سفر إشعياء كَانَ أطول بكثيرٍ من درجٍ مخصصٍ لسفرٍ قصيرٍ كسفر ملاخي.

ومن المُلاحَظ أنَّه لا توجد لدينا اليوم أي مخطوطةٍ للعهد الجديد على هيئة درجٍ؛ مِمَّا يشير بوضوحٍ إلى أنَّ هذا الشكل

قد تمَّ التخلي عنه لصالح شكلٍ أكثر كفاءةً مع بزوغ فجر المسيحيَّة.

 المُجَلَّد (The Codex): ثورةٌ في عالم الكتابة

مع بداية القرن الأول الميلاديّ، ظَهَر “المُجَلَّد” كبديلٍ عَمَلِيٍّ وفعَّالٍ للدرج. المُجَلَّد هو ببساطةٍ الكتاب الذي نعرفه اليوم، والذي يتكون من صفحاتٍ مجمعةٍ يمكن تقليبُها بسهولةٍ. لم يكن هذا الابتكار مجرد مسألة راحةٍ، بل كَانَ تحوُّلًا اقتصاديًّا ووظيفيًّا. فمن خلال السماح بالكتابة على كلا وجهي الصفحة، خَفَّضَ المُجَلَّد تكلفة المواد إلى النصف تَقْرِيبًا. الأهمُّ من ذلك كله، أنه مكَّن القارئ من “الوصول العشوائيِّ” إلى أي جزءٍ من النَّص فَوْرًا، وهي ميزةٌ لا تُقدَّر بثمنٍ للمجتمعات المسيحيَّةِ التي كانت بحاجةٍ ماسَّة إلى المقارنة بين الأسفار المختلفة بسهولةٍ.
كانت صناعة المُجَلَّد تعتمد على تجميع وحداتٍ تُعرف باسم “الكراريس” (Quires). يتكون الكرَّاس النموذجيُّ من أربع رقوقٍ تُطوَى من المنتصف؛ لتُشكِّل ثماني ورقاتٍ بستَّ عشرة صفحةً. هذا النظام ساعد العلماء لاحقًا في تحديد حجم المخطوطة الأصليِّ حتى لو فُقِدَت أجزاءٌ منها؛ ذلك بفضل ترقيم الكراريس بالتسلسل؛ مِمَّا يكشف عن أي أجزاءٍ مفقودةٍ.

 خاتمة

إِنَّ الانتقال من الدَرَج إلى المُجَلَّد لم يكن مجرد تغييرٍ في الشكل، بل كَانَ ثورةً حَقِيقِيَّةً في تاريخ المعرفة الإنسانيَّة. لقد سهَّل المُجَلَّد، إلى جانب إدخال الورق كمادَّة كتابةٍ جديدةٍ، عمليَّة القراءة والبحث والوصول إلى النُّصوص بشكلٍ لم يسبق له مثيلٌ. هذا التطوُّر الماديُّ لم يكن مجرد تحسينٍ تَقْنِيٍّ، بل كَانَ العاملُ الرئيسيُّ الذي مَهَّد الطريق لجعل المعرفة أكثر ديمومةً، وسهولةً في التداول؛ مِمَّا ضمن انتقال كنوزٍ مثل مخطوطات العهد الجديد بأمانةٍ عبر الأجيال.
إعداد: مينا نبيل
المصدر: مصداقية الكتاب”أنواع المخطوطات”حكمت قشوع حلقة 5

مواضيع تهمك
شارك اصدقائك