الوجه الذي كشف الله

Roma
الوجه الذي كشف الله

    الوجه الذي كشف الله

السؤال الذي لا يَشيخ أبدا: منذ أكثر من ألفي عام، لم يتوقَّف الناس عن طرح هذا السؤال: مَن هو يسوع؟
أهو نبيٌّ من أنبياء الله؟ معلمٌ أخلاقي؟ مُصلِحٌ عظيم؟ أم هو أعظم من ذلك كلِّه؟

الإيمان المسيحي يقدِّم إجابةً مختلفة، لا تنفي النبوة بل تتجاوزها بعيدا: يسوع هو كلمة الله المتجسِّد، الذي جاء ليُظهِر محبة الله صافيةً خالصةً، نقيةً من أية لمسات إنسانية، أو تصورات وتخيلات بشرية عنه، أو موروثات تناقلناها عبر التاريخ، متخذا جسما بشريا، من خلاله يمكن لله التواصل مع البشر في هيئة جسمية مرئية.

الحديث عن يسوع ليس مجرد تأمل في شخصية تاريخية، بل لقاء مع حضورٍ حي غيَّر مسار التاريخ، ونَهْج قلوب البشر. إذ أتى يقدم طريق معرفة الله كما هو: إله المحبة والرحمة، الذي قرَّر – على العكس تماما مِمَّا كان يظنُّه البشر- أن يقترب من الإنسان كي ما يُشارِكه تفاصيل حياته.

  معنى البنوة في الإيمان المسيحي

 تعبِّر عن علاقة وحدة ومحبة بين الله وكلمته. فكما تخرج الكلمة من الفكر دون أن تنفصل عنه، هكذا الابن من الآب (ذات الله) بلا انفصال ولا بداية زمنية.

البنوة الإلهية إذن ليست ميلادًا جسديًّا، بل إعلانًا عن هوية الله المحب الذي يفيض من ذاته حياة وكلمة،
لذلك قال المسيح: «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» يوحنا 30:10، مشيرًا إلى اتحادٍ جوهري لا يمكن أن يوجد بين الله وأيّ مخلوق آخر.

هذه البنوة تكشف أن الله ليس فلسفة جامدة أو قوة بعيدة، بل علاقة محبة حقيقية.

يسوع المسيح المتفرد بين جميع الأنبياء

يسوع يشترك في شيءٍ مع الأنبياء أنه تحدَّث باسم الله، لكنه يفوقهم بأنه تكلَّم بسلطان الله نفسه،
الأنبياء قالوا: «هكذا يقول الرب»، أمَّا هو فقال:  «أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ».

هو لم يكتفِ بتبليغ الوصايا، بل منح غفران الخطايا، وشفى بكلمة، وأقام الموتى، ليس بقوة مستعارة، بل بسلطان ذاتي، إذ كان في كلماته حضور لم يعرفه الناس من قبل، حضور الله نفسه بينهم.

المسيح لم يكن مجرد معلم أو نبي، إذ قال عن نفسه: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلَّا بِي» (يوحنا 6:14 بهذا يعلن أنه الإله الذي اقترب من الإنسان في محبة، والإنسان الذي ردَّ البشرية إلى الله بطاعة كاملة. لقد جمع في ذاته السماء والأرض، الألوهية والإنسانية؛ ليعيد العَلاقة التي انقطعت. لذلك يبقى شخصه فريدًا: لا يمكن حصره في فئة نبي أو حكيم؛ لأنه هو الذي أظهر وجه الله الحقيقي في التاريخ.

   لقاء يومي مع المسيح

يسوع ليس فكرة في كتاب، ولا مجرَّد ذكرى من الماضي، هو شخص حي يواصل دعوته لكل إنسان ليتعرَّف على الله كأبٍ مُحِبٍّ ومُخلِّص.

لقد أتى ليعيد الإنسان إلى مصدره، لا بالقهر بل بالمحبة. والإيمان به ليس خروجًا عن الإيمان بالله، بل هو اكتشاف لعمقه الحقيقي؛ فالله الذي أرسله هو نفسه الذي نعبده، لكنَّه كشف ذاته في وجهٍ قريبٍ منَّا.

ربما لم يكن السؤال الأهم: هل المسيح نبيٌّ أم أكثر؟

بل: هل أسمح لنور المسيح أن يفتح عينيَّ على مَن هو الله حقًا؟

فالله الذي اقترب في المسيح ما زال يقترب اليوم، ينادي القلب الباحث ويقول: «هأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ» رؤيا 20:3) — يدعونا إلى اللقاء، لا بالخوف، بل بالمحبة والمعرفة، حيث يبدأ طريق الحياة الجديدة.)

هنا يبدأ التغيير الحقيقي: أن أسمح للنور أن يلمس ظلامي، وأن أفتح قلبي لذلك الحضور الذي لا يُفرض بالقوة بل يُقنِع بالمحبة.

في لحظة صادقة، يمكن أن يتحوَّل السؤال مِن “مَن هو يسوع؟” إلى “من أنا أمام هذا النور؟” هناك يبدأ طريق المعرفة والحياة.

    الكاتب/ مينا نبيل

 

مواضيع تهمك