أمين .. وسور الإدارة التعليمية!
Roma

أمين .. وسور الإدارة التعليمية!
فتى وصديقه لم يتجاوز كلٌّ منهما الصفَّ الأوَّلَ الثانوي!
أمين وأمجد!
لا نعرف حتى الآن كيف ولماذا أصبحا صديقين، فلا شبه أو تقارب بينهما لا في الهيئة الجسمانية، ولا الفكرية، ولا الدراسية ولا حتى الأسرية!
أمين .. ذلك الفتى النحيف الطويل، هاديء الطباع، المتفوق الذي تنطبق عليه كل العلامات التقليدية،
التي اعتدنا أن نراها في مدارسنا أو أعمالنا الدرامية، عن المتفوقين!
فهو كما نقول بالعامية “غلبان في نفسه”، يجلس في المِقعد الخلفي من فصله الدراسي، ليس لديه أصدقاء، غير اجتماعي بالمرة، غير مهندم في ملبسه، لا يتعامل نهائيا مع البنات، وقت “الفُسحة” أو كما أصبحنا نُسميها الآن “البريك” يأخذ كيس ساندوتشاته منزويًا يأكله، ثم يذهب في ممارسة تقليدية لروتينه اليومي، إلى دورة المياه، ثم يصعد إلى فصله، يُخرج كتاب المادة الخاصة بالحصة التالية، يسترجع الدرس السابق!
وعن أمجد! فهو ذلك الفتى القصير نسبيا، “السمين شيئا ما”، الذي لا يهتم بالدراسة، كثير الهزار بنِكات لا يضحك عليها إلا هو! يدَّعى أن لديه أصدقاء بنات، وهو لا يعرف أصلا أن يتعامل مع أختيه! يحاول أن يبدو “شَقي ومدَردَح” لكن لا يجد مَن يصدقه، فلم يجد ضالته إلا في أمين الذي لا يعرف شيئا في الحياة إلا المذاكرة!
أمجد وأمين .. كلاهما في أوج سِني المُراهَقة!
أمين لا يعجبه حاله .. يريد أن يتغير.. ويتخذ من أمجد قدوته في الشقاوة!
أمَّا أمجد، يحاول دائما أن يُظهِر أمام أمين أنه ذلك الفتى الفاهم “في كل حاجة”، والذي سيقوده للتغيير الذي يجعل منه إنسانا قويا، يستطيع أن يتعامل مع شباب جيله، وفتى “لذيذ” يمكن أن تُعجَب البنات به!
كان أمين يأخذ نصائحه من صديقه أمجد، والفصل بمُدرسيه وطُلابه يتعجبون قائلين “إيه اللي جاب القلعة جنب البحر؟!”
وذاتَ يومٍ من أيام الصف الأول الثانوي، حيث لم يكن عدد الحضور كبيرا في المدرسة وقتها، قرَّر أمين التمرد على خجله، وحالة الطيبة التي هو فيها مُقيم، وطلب من أمجد أن يعطيه درسا عمليا في الشقاوة، مُعلنا أنه اكتفى تماما بكل النصائح النظرية التي أسداها له صديقه، إذ قد حان وقت التنفيذ.
طبعا استغرب أمجد، وتفاجأ إذ لم يكن مستعدا لهذا الطلب! ولا هو من الأساس له أي مغامرات كما كان يدَّعي!
لكن، وكي ما يحفظ ماء وجهه، قال له “أخيرا .. يالَّا بينا نبتدي أول درس عملي!”
على الفور، وافق أمين بفرحة ممزوجة ببعض التردد!
فقال له أمجد “هيا نهرب الآن من المدرسة .. نخرج نأكل معا ونجلس على المقهى!”
هذه المرة وافق أمين بلا تردد معتقدا أنه “كَسَرَ خلاص حاجز الخوف والطيبة الزيادة!”
فاصطحبه أمين إلى آخر ملعب المدرسة التي كانت مساحتها شاسعة، وعِند زاويةٍ من السور، الذي كانت به بعض فتحات صغيرة، ليس بها طوب، يمكن للشخص أن يضع قدمه عليها، للتسلُّق.
بالفعل تسلق الاثنان وراء بعضهما حتى وصلا إلى نهاية السور المرتفع نسبيا، وقررا القفز!
أمين أخذته الجرأة متخيلا أنه أصبح أخيرا “ولد شقي” و”نط” من على السور لكن بطريقة خاطئة!
وقع! لكنه لم يُصب إلا بكدمات مؤلمة بعض الشيء، وصديقه أمجد قفز أيضا لكن بطريقة صحيحة!
ومع لحظات الفرح الممزوجة بالألم، وقف أمين فرحانا بنفسه، فخورا بصديقه أمجد الذي أخرجه من ظُلُمات الطيبة و”الغلبنة”! ليلتفت أمين فرحا حوله، معتقدا أنه في الشارع، ليجد نفسه بعدما التفت يمينا ويسارا، أنه داخل سور الإدارة التعليمية!
احمرَّ وجهُهُ من الخوف، وتسارعت نبضات قلبه قائلا:
“اجري يا أمجد إحنا في الإدارة التعليمية”
أمجد منتبها: “إيه؟؟!! يالا بينا”
وخرجا مُسرعَين! ولحُسن حظهما أن الباب كان مفتوحا بلا حارس ولم يرَهما أحد!
أمين ذهب لبيته القريب أصلا من الإدارة، ويومين كاملين لم يستطع النزول من ألم الكدمات!
وأمجد هو الآخر ذهب لبيته بعدما تشاجرا في الشارع!
لكن الحسنة الوحيدة في هذا العبث كانت أنَّ أمين ضرب أمجد ومشي وسابه!
فقال له أمجد وهو خائف منه: “يعني يوم ما تتشطر تتشطر عليَّ”!
لكن من هذه القصة الطريفة التي حدثت بالفعل منذ أكثر من 20 عاما، تعلَّم أمين درسا لازال عالقا معه حتى اليوم! أن لا يسعى أبدا أن يلبس ثوبا ليس ثوبه! ولا يُصدق أشخاصا فقط لمجرد أن سمع منهم كلاما جميلا، أو وعودا أجمل، دونما أفعال حقيقية أو رصيد يُثبت ذلك!
وهذا حَماه كثيرا فيما بعد من مغامرات كثيرة أو تهورات كان يحاول من هم في سنه خوضها لإثبات أمور لا داعي لها أصلا!
لهذا.. أن تختار الصديق قبل الطريق هام جدا؛ لأن صديقا خاطئا يمكن أن يقودك لسور الإدارة التعليمية؛ فتأخذ جوابا بالفصل، غير أنك ستُصبح أضحوكة لمن حولك، وأولهم نفسك! بالتأكيد تفهمني جيدا!
الكاتب/ مينا نبيل