رحلة بين الحُب والواقع!

Roma
رحلة بين الحُب والواقع!

رحلة بين الحُب والواقع!

ذات يومٍ أثناء تأديتي لفترة واجب الخدمة العسكرية، وهو شرف يفتخر كل إنسان بتأديته، وبعد يومٍ طويل من التدريبات، وقُبيل أن نخلد للنوم استعدادا لليوم التالي، جلسنا قليلا أنا وصديقان كنا معا بنفس الوحدة نتبادل أطراف الحديث.

والحقيقية أني كنتُ قليل الكلام؛ تارةً لأني أفضِّل الهدوء في نهاية يومي؛ وتارة لأن هذين الصديقين كانا ذا شخصياتٍ مختلفة تماما عن بعضها، أو قُل بينهما تضارب كبير في طريقة نظرتهما للأمور؛ فكنت أحب الاستماع لوجهات نظرهما مستمتعا بالزواية التي يتحدث كلٌّ منهما من خلالها!

فهذا حالمٌ هاديء يُفكر بعد الانتهاء من خدمته العسكرية في حبيبته التي تنتظره، حتى تُكمل معه الطريق، وكيف ستصبر عليه لحين ينتهي من تكوين نفسه، مهما طالت السنوات، وكم هو يحبها، وكم هي مخلصة حنونة تشجعه يوميا!

وصديقي الآخر يفكر في الخطوات التي سيتخذها كي ما يسافر للعمل بالخارج، متذكرا أسماء معارفه الذين سيساعدونه في إيجاد فرصة عمل في البلد التي يريد التوجه إليها! هذا كله كي يستطيع أن يوفر لنفسه رصيدا من المال يقدر به أن يؤسس لحياة جديدة، وزواج ناجح، واستقرار قائم على الواقع العملي، الذي يستلزم شبكة وشقة تمليكا وأثاثا وتكاليف فرح وخطوبة ودخلا شهريا ثابتا قادرا على مجاراة كل ما يحتاجه بيت مفتوح من أسرة وأطفال، على أن يقدر أيضا أن يدَّخر من هذا الدخل!

كنت أراقب ردود أفعال كليهما نحو حديث الآخر! فصديقي الحالم يرى صديقنا العملي أنه جامد بلا مشاعر أو عواطف، تحمل بعض نظراته إليه أنه مادي أو انتهازي لا مكانَ في داخله للمشاعر والحب!

وصديقي العملي ينظر لصديقي الحالم على أنه موهوم “وبكرة يتخبط في الواقع”!

يجري هذا كله بينما أنا أراقب في صمت ما يدور! وبداخلي أقول ستمضي الأيام سريعا وأرى كيف ستسير حياة كلٍّ منهما!

مرَّت بالفعل الأيامُ سريعا، وانتهينا من تأدية واجب الخدمة العسكرية! خرج كلٌّ منا يواجه واقعه العملي، ويواجه الحياة وهو لم يعد بعدُ طالبا مسؤولا من أبيه، بل مسؤول من نفسه، عليه أن يتكفل بها حتى يبدأ طريقه نحو حياة مستقلة، يتحمل فيها مواجهة الحياة، بما لديه من رصيد مُزخَّر من معرفة ودراسة وخبرات ومباديء آن وقت تطبيقها عمليا!

ما إلا أشهر قليلة وصديقي الحالم يشاركني بحسرة وألم ممزوجَين بضحكاتٍ ساخرة، تعبر عن الإحباط الشديد، من أن صديقته التي كانت ستنتظره سنوات صارت تسأله دائما “إمتى هتيجي تتقدملي” وهو لم يزل بعد في بداية طريقه، لم يمضِ على استلام وظيفته الجديدة إلا وقتٌ قليل! حتى اعتقَدَت مع الوقت أنه يلعب بها، وتشاجرت معه، وأسمعته كلاما شديدا. وتركته!

وصديقي الآخر، شهورٌ أيضا قليلة حتى سافر البلد التي كان يخطط للسفر إليها بعدما ساعده أحد أقربائه في إيجاد عقد عمل، وهناك استقر سنوات لم يكن بحياته فيها إلا العمل والادخار؛ فاستطاع مع الوقت والاجتهاد أن يبدأ في خطوة الارتباط!

لا يهمني سرد تفاصيل أخرى عن كليهما قدر ما يهمني هو أني بالطبع أميل للإعجاب بنهج صديقي العملي، إلا أني لا أرى كليهما على صواب!

فالحالم العاطفي غير العملي وغير الواقعي المفتقر لخبرات الحياة، يتخبط كثيرا في حياته ويتألم، وغالبا ما يتحول لشخص قاسٍ فيما بعد لا يثق في أحد يحيا في إحباط شديد!

والعملي جدا دون أي مَساحة للمشاعر والعاطفة قد يأتي عليه وقت من كثرة العمل والأعباء والضغوط والالتزامات والمسؤوليات، يقع تحت وطأة الاحتياج الشديد للحب والمشاعر، الذي قد لا يجده غالبا في شريك الحياة؛ لأنه بالفعل سيكون اختار شريكه وفقا لعنصر المادة لا الحب؛ وقد يسقط لا حقا فيما لا يُحمَد عقباه!

الحقيقية أن أكثر نموذج عملي واقعي للاتزان النفسي والحياتي كان في الرب يسوع!

ولا أقصد روحنة الأمر! لكن الإشارة للنموذج الكامل الذي نحتاج أن نحتذيه!

فكان المعلم المشجع الحنون العطوف المترفق الصبور المُحب الرحيم الهاديء، وكان أيضا القائد الواقعي العملي الجاد المنطقي الصارم. يجمع في صفاته العظيمة كل ما يحتاجه الإنسان كي ما يحيا حياة صحيحة صحية متزنة، وسنُفرد في مقالاتٍ أخرى جوانب عملية من شخصية الرب يسوع، وكيف جمع في شخصه الرائع كل هذه الجوانب.

الكاتب/ مينا نبيل

 

مواضيع تهمك