المبادرة الإلهيَّة والمحبة الأزليَّة

Roma
 المبادرة الإلهيَّة والمحبة الأزليَّة

المبادرة الإلهيَّة والمحبة الأزليَّة

في مسيرتنا الروحيَّة لاستكشاف العديد من “الحقائق الكتابيَّة”، نجد أنفسنا نقف أمام حقيقة راسخة أكبر من كونها مجرد معلومة تُضاف إلى أذهاننا، بل هي الأساس الذي يقوم عليه إيمانُنا كله، ألا وهي طبيعة محبة الرب!

إن الله الذي نعبده ليس إلهًا صامتًا أو بعيدًا في سمائه، بل هو إله يعلن عن نفسه بوضوح في كلمته المقدسة بأنه “إله يحب”.

المحبة في المنظور الكتابي ليست عاطفةً متغيرة، بل هي كيان الله ذاته. فالله يقدم ذاته بطول صفحات الكتاب المقدس كإلهٍ يهتمُّ بالبشر، يفتش عن الإنسان يَمُدُّ إليه يديه الحانيَتين بالرحمة. الأمر الذي يمثل لنا أعظمَ تعزيةٍ، خاصةً في الأوقات التي نمر فيها بالظروف الصعبة، والتي قد تُغيِّم على رؤيتنا لمحبته أو تُعيقنا عن اكتشافها.

في سفر إشعياء، يهمس الرب لكل نفس تشعر بالرفض أو التهميش قائلًا:

«إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّمًا، وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ» (إشعياء 43: 4).

يا لروعة هذا الإعلان! إن قيمتنا ليست مستمدة من آراء الناس أو نجاحاتنا الشخصيَّة، بل من كوننا “أعزاء ومُكرَّمين” في عيني الخالق. وهي ليست محبة مؤقتة ترتبط بسلوكنا، بل هي كما أعلنها لإرميا النبي: «مَحَبَّةً أَبَدِيَّة أَحْبَبْتُكَ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَدَمْتُ لَكَ الرَّحْمَةَ» (أرميا 31: 3).

هي محبة تسبق وجودنا وتستمرُّ إلى الأبد، رحمة لا تنقطع لأن مصدرها غير متغير.

تَجَسُّد المحبة في شخص المسيح 

وقف الرب يسوع المسيح في ملء الزمان ليقدم لنا الدليل الملموس على هذه المحبة. واللهُ لم يكتفِ بإرسال أنبياء أو كلماتٍ مكتوبة، بل جاء هو بنفسه. في يوحنا 3، نجد الآيَّة التي لخصت جوهر الإنجيل كله:   لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونَ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّة   يوحنا 3: 16

هذا هو مقياس المحبة الإلهيَّة: “البذل”. المحبة التي لا تضحي ليست محبةً حقيقيَّة، والله بذل أغلى ما لديه لكي يستردنا. من هذا المنطلق، أعطانا الرب يسوع وصيَّةً ليست كبقيَّة الوصايا، بل هي وصيَّة “جديدة” في نوعها ومصدرها

وَصِيَّة جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا

تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا” (يوحنا 13: 34).

لقد أصبح نموذج محبة المسيح لنا هو المقياس الذي نحب به الآخرين،

وهي محبة تتدفق من المصدر الإلهي

كَمَا أَحْبَبْنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي” (يوحنا 15: 9)

  المحبة قوة تغلب في الضيقات

يعلمنا الرسول بولس في رسالة روميَّة أن هذه المحبة أسمى من كونها شعورًا جميلًا نتمتع به في وقت الراحة، بل هي القوة التي تسندنا في وقت الضيق. ويوضح لنا أيضًا كيف أن محبة الله انسكبت في قلوبنا بالروح القدس، وهي التي تجعلنا نشكر الرب كل حين حتى في ذروة الآلام.

يقول الرسول بروح النُّصرة :

وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا”  (روميَّة 5: 8).

فإن كان الله قد أحبَّنا وقدم ابنه لأجلنا ونحن في قمة تمردُّنا وخطيتنا، فكم بالأولى ونحن الآن مبررون بدمه؟ هذا اليقين يحطم تشكيكات عدو الخير الذي يحاول دائمًا أن يوهمنا بأن الله تخلى عنَّا لا سيما في أوقات التجارب القاسية التي الرب بكل تأكيد ليس مصدرها.

المحبة الإلهيَّة هي الحصن الذي نلجأ إليه، فلا مرض ولا خطر ولا سيف يمكنه أن ينال منها.

يصرخ بولس الرسول بتحدٍ إيماني:

«مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟» (روميَّة 8: 35). والجواب يأتي قاطعًا بأن لا شيء في الخليقة كلها “تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا ” (روميَّة 8: 39)

   دعوة للتمتع بالبنوة

غاية هذه المحبة أن تنقلنا من حالة الغربة إلى البنوة. يقول يوحنا الرسول في رسالته الأولى بذهولٍ وإعجاب: “اُنْظُرُوا أَيَّة مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ” (1 يوحنا 3: 1).

نحن لسنا مجرد عبيد أو رعايا، بل أولادٌ محبوبون.

في أوقات الضيق، وعندما تشعر أن الناس يضعون لك شروطًا ليقبلوك، أو عندما تشعر بالرفض من المجتمع، تذكر أن الله يقبلك قبولًا غير مشروط. هو الأب الصالح الكامل الذي يفتح أحضانه لكل من يرجع إليه، تمامًا كما فعل مع الابن الضال. محبة الله تدعمك، تسندك، وتثبتك مهما كانت عيوبك أو سقطاتك.

    صلاة ختاميَّة

يا رب، نشكرك من كل قلوبنا لأنك إله محبة. نشكرك لأنك لم تتركنا في حيرتنا، بل أعلنت لنا عن قلبك المحب عبر آلاف السنين ومن خلال مئات الشخصيات والمواقف. نتهلل اليوم بحقيقة أننا محبوبون منك محبة غير عاديَّة، محبة بذلت وعانت وانتصرت لأجلنا. 

ثبِّت كلمتك فينا، واجعلنا نختبر زخم هذه المحبة في وقت الخطر والضيق؛ لنظل دائمًا مستندين إلى صدرك الحنون، واثقين أننا في يدك أمناء. لك كل المجد والحمد والشكر والسجود،

   في اسم يسوع،  آمين.

    الكاتب/ الدكتور القس هاني ظريف – راعي الكنيسة الإنجيلية بالملك الصالح

 

مواضيع تهمك