حين تكتمل الصورة
Roma

حين تكتمل الصورة
منذ فجر التاريخ، والإنسان يحمل في قلبه حنينًا غامضًا للسماء. لطالما نظر البشر إلى الأعلى، طارحين أسئلة وجودية: من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟ وهل يهتم خالق الكون بنا؟ في وسط هذا البحث، لم يترك الله الإنسان يتخبط في الظلام، بل أرسل إليه عبر العصور رسائل متتالية، وإشارات، حملها رجالٌ اختارهم بعناية، نسميهم “الأنبياء”.
لكن: ما هي وظيفة هؤلاء الأنبياء؟
وهل جاءوا فقط ليضعوا قوانين صارمة، أم كانت لديهم مهمة أعمق؟
المحتوي
ملامح للصورة الإلهية الكبرى
إذا نظرنا إلى تاريخ الله مع البشر كأنه “رواية عظيمة” تُكتب عبر آلاف السنين، فإن الأنبياء لم يكونوا مؤلفين لهذه الرواية، بل مُمَهِّدين لظهور “بطلها”.
تخيَّل نفسك تشاهد فيلمًا، وفي ساعته الأولى رأيتَ تلميحاتٍ عن شخصيةٍ ستظهر لتُغير مجرى الأحداث تمامًا.
هكذا كان العهد القديم؛ إذ كان الأنبياء يشيرون بأصابعهم نحو المستقبل، نحو شخصٍ واحد سيأتي ليحمل الحلَّ الجذريَّ لمشكلة الإنسان مع الألم والشر والموت.
تنبَّأ الأنبياء بتفاصيلَ مذهلة: عن مكان ميلاده، طريقة حياته، تعاليمه الفريدة، حتى عن طريقة موته وقيامته.
لم يكن هذا محض صدفة، بل إعلانًا إلهيًا بأن هناك خُطةً محكمةً للإنقاذ.
كان الأنبياء كمن يرسم “رسمًا تخطيطيًا” للوحةٍ عظيمة، وجاء المسيح، لا ليمزق هذا الرسم، بل يضع عليه ألوانًا زاهية، فيحوله “حقيقةً حيَّة”.
اكتمال الوعد وليس إلغاء الماضي
هنا نصل إلى النقطة الجوهرية التي حيَّرت كثيرين: علاقة المسيح بالأنبياء. أفهل جاء المسيح ليلغي ما قبله؟ هل جاء ليقول إن كل ما سبق كان خطأ؟
الإجابة التي قدَّمها المسيح نفسُه كانت مذهلةً في بساطتها وعمقها:
“ما جئت لأنقض، بل لأكمل”، تمامًا مثلما ورد في (إنجيل متى 5: 17) “لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ.”
تخيَّلْ مهندسًا معماريًا وَضَعَ مخططاتٍ لبناءٍ عظيم، ثم أرسل عُمَّالًا (الأنبياء)؛ ليحفروا الأساسات، ويخبروا الناس عن روعة المبنى القادم. هل عندما يأتي المهندس بنفسه إلى الموقع، يطرد العُمَّال ويهدم الأساسات؟ بالطبع لا. هو أتى إنما ليكمل البناء؛ ويرتفع به حتى يلامس السماء.
جاء المسيح ليعطي “المعنى الكامل الواضح الصريح” لكل ما سبقه. التشريعات والنبوات كانت “الظل”، والمسيح هو “التجسيد” الحقيقي لهذا الظل.
تحدَّث الأنبياء عن “ذبيحة” ستُقدَّم للتكفير عن الذنوب، وجاء المسيح ليكون هو هذه الذبيحةَ الحية التي تُنهي الحاجة لكل الذبائح الأخرى.
تحدَّث الأنبياء عن “ملك” سيملك بالعدل، وجاء المسيح ليؤسس مملكة ليست من هذا العالم، مملكة في قلوب المحبين. لذلك، عندما ننظر للمسيح، نحن لا نرى دينًا جديدًا منفصلًا عن جذوره، بل نرى اكتمال الوعود الإلهية.
هو لم يأتِ ليضيف أعباءً جديدة، بل ليحمل عَنَّا الأعباء التي عجزنا، وعجز الأنبياءُ، عن حملها. الأنبياء قالوا: “هكذا يقول الله”، أما المسيح فقال: “الحق الحق أقول لكم”، متحدثًا بسلطانه الإلهي.
من إعلان إلى لقاء شخصي مع الله
إن فَهْم هذه العَلاقة يمنحنا طمأنينة بأن الله لا يغير رأيه، ولا يبدل خططه بعشوائية. هو إله أمين، وَعَدَ منذ البدء بمَن يسحق رأس الشر، وظل يرسل الأنبياء تذكيرًا بهذا الوعد، حتى جاء
“ملء الزمان”، وظهر المسيح لا ليكون مجرد نبي آخر يضيف وصية جديدة، بل ليكون هو نفسه “الرسالة” و”الطريق” و”الحياة”.
دعوتنا اليوم لاكتشاف الصورة الكاملة التي رسمها الله بمحبة عبر التاريخ،
والتي اكتملت ملامحُها في وجه المسيح.
فلا تدع هذه القصة العظيمة تقف عند حدود المعرفة العقلية، بل اجعلها بداية رحلة شخصية.
إن الذي انتظره الأنبياء بشوق، يقف الآن قريبًا جدًا منك، لا ليملي عليك أوامر، بل ليمنحك السلام الذي بحثت عنه طويلًا.
هو ليس تاريخًا مضى، بل حقيقةٌ حية تدعوك اليومَ لاختبار محبة الله الكاملة والمغيرة.
الكاتب/ مينا نبيل