سر المعادلة الصعبة

Roma
سر المعادلة الصعبة

    سر المعادلة الصعبة
 ما هي الصورة الذهنية التي تقفز إلى رأسك عندما تسمع لفظة “الله”؟
بالنسبة لكثيرين، الصورة هي أنَّه “القوة المطلقة”، “الجبَّار”، أو “الدَّيان” الذي يراقب الأخطاء من علياء مجده ليحاسب البشر. وهي صورة تثير، في حد ذاتها، الرهبة، وربما الخوف، لكن هل تثير الحب؟ هل يمكن للإنسان أن يقيم عَلاقة دافئة مع “قوة مجردة” لا يشعر بقُربها؟ هنا يأتي المسيح ليقدم لنا ثورةً حقيقيةً وتغييرًا جذريًا في مفهومنا عن الخالق.

  من الجبروت إلى القرب

جاء المسيح ليخبرنا بشيءٍ لم نكن لنجرؤ على تخيُّله لولا أنه أعلنه بنفسه صراحةً 

 ألا وهو: “الله محبة”. بالمناسبة .. المحبة ليست صفةً فرعية من صفات الله، بل هي جوهره وطبيعته. الفرق شاسعٌ بين إله يُطاع خوفًا من بطشه، وإله يُطاع حبًا في شخصه. المحبة التي ظهرت في المسيح لم تكن محبة فلسفية أو نظرية مكتوبة في الكتب، بل محبة “ملموسة” تسعى خلف الإنسان. لقد غيَّر المسيح المعادلة ليُحوِّلها: من إنسانٍ يحاول استرضاء إلهٍ غاضب، لإلهٍ محب يسعى لإنقاذ إنسانٍ مكسور.

 لغة حب وليس استعراض قوة!

كيف نتأكد من هذه المحبة؟ ما عليك سوى النَّظر لحياة السيد المسيح على الأرض،

 تحديدًا إلى معجزاته.في الوقت الذي ينظر كثيرون لمعجزات المسيح على أنها مجرد

“إثباتات خارقة” لقدرته، أو استعراض لعضلاته الإلهية إبهارًا للبسطاء، نجد بتأمُّلٍ عميق للأمر، أن المحرك الأساسي لكل معجزة كان “الشفقة والرحمة والحنو” لا الاستعراض أو التباهي.

فحين لمس الأبرص الذي ينفر منه المجتمع، لم يكن يستعرض مناعته، بل كان يعيد لهذا الإنسان كرامته ويقول له “أنت محبوب ولست منبوذًا”.

حين فتح عيني الأعمى، كان يقول للبشرية “أنا نوركم الذي يبدد الظلام”.
وحين أقام الموتى، كان يعلن بسلطانٍ فريد أنه جاء ليهزم عدونا الأكبر الذي لا يرحم.
معجزات المسيح هي “لغة محبة الله”، هي طريقته العملية ليقول لنا: “أنا أشعر بآلامكم، أنا لستُ بعيدًا عن أوجاعكم، وسلطاني لا للتسلط عليكم، بل لخدمتكم، وشفائكم، وتحريركم من قيود المرض والموت”.
   السؤال الصعب: لماذا هو “الطريق الوحيد”؟
أمام هذا الفيض من المحبة السماوية الشافية، قد يطرح العقل سؤالًا منطقيًا وشائعًا جدًا: “إن كان الله محبة، وإن كان يحب الجميع بلا استثناء، لماذا يقول المسيحيون إذًا إن المسيح هو الطريق الوحيد إلى الله؟ أليس في هذا نوعٌ من التعصُّب وضيق الأفق والفكر الأحادي الإقصائي؟ ألا تؤدي كل الطرق إلى روما؟”
دعنا نفكر في الأمر بمثالٍ بسيط من واقعنا. إنْ كنتَ تعاني من مرضٍ نادر وقاتل، وذهبت إلى الطبيب الوحيد الذي يملك المصل الشافي، وقال لك: “هذا هو الدواء الوحيد الذي سينقذ حياتك”، هل ستغضب منه وتتهمه بالتعصب؟ هل ستقول له: “لماذا تحصر الشفاء في هذا الدواء؟ لماذا لا أشفى بشرب الماء أو أكل الطعام المفضل لي؟”.
بالتأكيد لا. ستشكر الطبيب لأنه كان صادقًا معك، ودَلَّك على الحل الحقيقي بدلًا من أن يتركك للأوهام التي قد تُضيع وقتك وحياتك. الحقيقة بطبيعتها محددة؛ فالطريق إلى قمة الجبل قد يكون واحدًا ووعرًا، وتحديدُه ليس تضييقًا على الناس، بل حماية لهم من السقوط في الهاوية.

   الجسر الذي لم نستطع بناءه

مشكلة الإنسان العميقة ليست مجرد “نقص في المعلومات” لنعالجها بفلسفات متعددة، ولا هي “نقص في الأخلاق” لنعالجها بقوانين مختلفة. مشكلة الإنسان هي “انفصاله” عن مصدر الحياة؛ بسبب طبيعتنا المكسورة والشر الساكن فينا (الخطيئة).

نحن كمن يقف على حافة وادي سحيق يفصله عن الله، وكل محاولاتنا لبناء جسور من أعمالنا الصالحة أو تديننا تفشل؛ لأنها قصيرة، ولن تصل أبدًا للطرف الآخر.

البشر مهما عظمت روحانياتهم يظلون بشرًا على هذه الضفة من الوادي.
لذلك، حين نقول إن المسيح هو “الطريق الوحيد”، نحن لا نتحدث عن تفوق ثقافي أو ديني،

بل “حقيقة روحية.” الله القدوس لا يمكن أن يتحد بالشر، ونحن عاجزون عن الوصول إليه بجهودنا. لهذا، نزل هو إلينا.
المسيح هو ذلك “الجسر” الذي امتدَّ من السماء إلى الأرض. وهو الوحيد الذي يحمل الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية في آن واحد؛ لذلك هو الوحيد القادر على أن يضع يدًا على كتف الإنسان، وأخرى على كتف الله، ويصالح الاثنين معا.

    دعوة وليست إقصاء

إن الطرق المتعددة التي يقترحها العالم قد تعلمك كيف تكون “إنسانًا جيدًا” أو كيف تعيش “نظامًا اجتماعيًا منضبطًا”، وهذا شيءٌ رائعٌ محترم. لكن طريقًا واحدًا فقط يعالج جذور الموت فينا ويعطينا حياة أبدية، وهو الطريق الذي لم يصنعه البشر، بل نزل من السماء إليهم.
قول المسيح “أنا هو الطريق” ليس عبارةً لإقصاء الآخرين، بل أعظم دعوة “احتواء” في التاريخ. إنه يقول: “لا تُتعبوا أنفسكم في شق طرق وعرة في الجبال، لا تُهلكوا أنفسكم في محاولاتٍ يائسة للصعود. لقد مَهَّدتُ لكم الطريقَ بدمي، والباب مفتوح للجميع”.

الله محبة، ولأنه محبة، لم يتركنا للتخمين والحيرة، بل حدَّد لنا العُنوان بوضوح. المسيحية ليست مجموعةً من الطقوس الجامدة، بل هي قبول دعوة المحبة هذه، والسير بقلبٍ مطمئن في الطريق المفتوح الذي نهايته حِضن الآب.

الكاتب/ مينا نبيل

مواضيع تهمك