كيف نَحمِل قلبَ المسيح؟
Roma

كيف نَحمِل قلبَ المسيح؟
أعظم نداء وَجَّهه الربُّ إلينا كأبناءٍ له، هو أن نتشكل يوما فيوما لنصير “أيقونات حية” تعكس ملامح عريس نفوسنا السماوي. إن جوهر الإيمان الذي نحمله لا يُقاس بمجرد المعرفة الروحية أو إتمام الفروض، بل بمدى اتساع قلوبنا لاحتواء المتألمين والمنبوذين.
الرحمة في المسيحية ليست مجرد شعور بالعطف أو الشفقة الإنسانية العابرة،
بل هي فيضٌ من طبيعة الله ذاته التي سُكبت في قلوبنا بالروح القدس. المسيح لم يأمرنا بالرحمة كقانونٍ ثقيل، بل قدَّمها لنا نهجَ حياةٍ، فهو “الأبرع جمالا” الذي كانت كل لمسة من يديه،
وكل نظرة من عينيه، تداوي جراحا وتنشر سلاما.
تبدأ رحلتنا لكي نصير رحماء عندما ندرك، بعمق وانكسار، مقدار الرحمة العظيمة التي نلناها نحن أولا. لا يمكن لنفسٍ لم تختبر غفران المسيح المجاني وعطفه الذي لا يُوصف أن تفيض بهما على الآخرين.
نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولا، ونرحم لأننا كنَّا خطاةً مساكين، تائهين في برية هذا العالم، فانتشلتنا يدُ النعمة من اليأس والموت ووضعتنا في ملكوت ابن محبته. إن إدراكنا لفقرنا الروحي، وكيف أغنانا المسيح برحمته، هو الوقود الذي يدفعنا لنكون رحماء مع إخوتنا في البشرية جمعاء.
طوبى للرحماء
يقول الرب يسوع في دستوره السماوي بالموعظة على الجبل:
“طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ.” (مَتَّى 5: 7)؛ ولكي نكون رحماء بحق،
علينا أن نتدرب يوميا على “رؤية” الآخرين بعيني المسيح، لا بعيوننا البشرية الضيقة.
العالم من حولنا يئن تحت وطأة انكسارات لا حصر لها؛ فهناك من يرتدي قناع الابتسامة وقلبه ينزف، وهناك من أرهقته الخطية، وهناك من يعيش في عزلة قاتلة. الرحمة تبدأ بالقدرة على “الإحساس” بوجع الآخر قبل أن يتكلم. هي تلك الوقفة الصامتة بجانب الحزين، وهي كلمة التشجيع التي تَبنى لا تهدم، وهي الغفران الذي يتسامى فوق الإساءة الشخصية. الغفران هو أسمى تجليات الرحمة؛ فعندما تترك حقك الشخصي، وتغسل أقدام من أساء إليك، أنت حينها تلمس جوهر الصليب.
أريد رحمةً لا ذبيحة
تذكروا دائما قوله الإلهي:
“فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ.” (مَتَّى 9: 13).
الرحمة المسيحية ليست مجرد “عاطفة” تسكن القلب، بل هي “فِعل” محبة يتحرك على الأرض. هي أن تمد يدك لمن لا يستحق في نظر المجتمع، تماما كما فعل مُخلصنا عندما لمس الأبرص، وتَحاوَر مع السامرية، ودخل بيت زكا العشار. هي أن نحول بيوتنا وكنائسنا إلى “مدن ملجأ” وواحات راحة يجد فيها المتعبون صدرا حنونا وقبولا غير مشروط. مقياس نضجنا الروحي ليس في طول صلواتنا فحسب، بل في مدى قدرتنا على الانحناء لنرفع ساقطا أو لنضمد جرحا بكلمة نعمة.
لذا، دعونا نرفع قلوبنا في كل صباح، طالبين من الروح القدس أن يسكب فينا قلبا رقيقا يشبه قلب فادينا.
لنتضع أمامه كي ينزع مِنَّا قلوب الحجر القاسية التي تحكم وتدين، ويعطينا قلوبا من لحم تشعر وتتألم وتصبر.
كونوا رحماء
لنضع نُصب أعيننا دائما تلك الوصية التي تلخص كمال القامة الروحية:
“فَكُونُوا رَحُمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ.” (لُوقا 6: 36).
عندما نعيش بهذه الروح، نُصبح حقا “رسالة المسيح المقروءة”، ونُعلن للعالم الجائع للمحبة أن إلهنا ليس إله قوانين جافة، بل هو أبٌ كليُّ الرأفة، ينتظر عودة كل ابن ضال بقلبٍ مفتوح ومراحم لا تزول.
فلنخرج اليومَ بقلبٍ جديد، لنكون يد المسيح التي تداوي وقلبه الذي يحب، فننشر رحمته في كل مكان ونمجد اسمه القدوس بحياتنا وأعمالنا.
الكاتب/ مينا نبيل