حكمة طفلة تقودها للنجاة!

Roma
حكمة طفلة تقودها للنجاة!

حكمة طفلة تقودها للنجاة!
قصة حقيقيَّة حدثت بالفعل

في أجواء أسرية هادئة، استعدَّ الأب والأم لاصطحاب ابنتهما ذات الأعوام الخمسة، والخروج معا لحضور ندوة احتفالية كبيرة، دعاهم إليها صديق مقرَّب من الأسرة.
الندوة كانت في مسرح كبير يقع في مكان معروف بوسط العاصمة المصرية القاهرة. ذهب الوالدان لمكان القاعة في الموعد المحدد، وبجوار المسرح، كانت هناك خيمة كبيرة منصوبة للأطفال؛ مسؤول عنها عدد من المنظمين، كان سيقدمون للأطفال مجموعة من الفقرات الممتعة التي تناسب هذه المرحلة العمرية؛ حتى يستطيع الآباء الاستمتاع بحضور الاحتفالية، وأخْذ قسط من الراحة من متطلبات أبنائهم التي لا تنتهي. مجهود رائع من القائمين على اليوم. يُشكرون عليه!
إلى هنا كانت الأمور تسير على ما يُرام؛ ذهب الوالدان بطفلتهما الجميلة لمكان خيمة الأطفال، وسلَّماها للمسؤولين، واطمئنا أنها جلست في مكانها، وانتظرا دقائق حتى يتأكدا من تأقلمها مع المكان، ثم انصرفا لحضور الندوة.

• أجواء هادئة تنقلب لرحلة بحث!

مرَّت فقرات الندوة، واحدة تلو الأخرى، والمكان مزدحم جدا. الخارج أيضا كان مزدحما وبه العديد من الفعاليات. كعادتها خرجت الأم في منتصف الوقت للاطمئنان على ابنتها دون أن تراها الطفلة؛ حتى لا تطلب الخروج معها، عادت الأم، واستمر الحفل، وقُرب نهايته؛ خرج الأب ليُحضر الطفلة حتى تكون معهما؛ لأنهما كان سينصرفان بعد انتهاء الحفل مباشرةً.
ذهب الأب لخيمة الأطفال، وإذا بالخيمة خالية من الأطفال والمسؤولين، لم يتبقَ سوى مسؤولة واحدة، كانت تقوم بجمع بعض الأدوات المستخدمة في ألعاب الأطفال، وبسؤالها في لهفة وانزعاج كبيرين عن الطفلة، التي كانت تعرف اسمها وشكلها، قالت في عدم اهتمام: “لا أعلم، كل الآباء حضروا لأخذ أطفالهم والجميع انصرف.” المكان مزدحم جدا في الداخل والخارج. وأمام الأب اختياران، إما “تضييع الوقت والمجهود في الشجار مع هذه المسؤولة”، أو “الذهاب جريا للبحث عن الطفلة”. وهو القرار الذي اتخذه الأب في ثوانٍ معدودة، وأثناء جريه للبحث عن الطفلة، اتصل بالأم فورا، وأخبرها؛ فخرجت له مسرعة من القاعة، وكان الأب والأم يسألان بعض الحضور في الخارج عن الطفلة؛ لأن الأب كان صديقا للعديد من المتواجدين، الذي كانوا يعرفون ابنته جيدا.
في دقائق معدودة، صار المكان حرفيا كخلية نحل تبحث عن الطفلة: مسؤولوا خيمة الأطفال، المسؤولون عن تنظيم اليوم بأكمله، المسؤولون عن تنظيم القاعة من الداخل والخارج، الكل لديه اسم الطفلة ومواصفاتها وصورتها.

• كلمات غيَّرت مجرى الأحداث

وسط ثبات من الأب والأم المرعوبَين داخليا وثابتَين خارجيا، وخجل واضح واعتذار من المنظمين. وعلى مدخل باب قاعة المسرح من الخارج، حيث وصل الأب بعد بحث طويل في كل أرجاء هذا المدرسة الكبيرة التي تستضيف الحدث، وبعد الخروج إلى الشارع للبحث عن الطفلة، قالت واحدة من المسؤولين عن اليوم، والتي كانت تعرف الأب وابنته جيدا، قالت جملة غيَّرت مجرى الموقف: “ابنتكم ذكية وواعية وأكتر منكم أيضا! اطمئن فمن مثلها لا يمكن أن تتيه أبدا”!
هذه الجملة حرفيا كأنها طمأنت الأب، وجعلته يتذكر ما زرعه هو والأم في ذهن وعقل هذه الطفلة من مبادئ وأفكار، وكيف شجَّعاها أن تكون جريئة منذ الصغر، تعتمد على نفسها، وتختلط بالمجتمع، وفي لحظات تذكَّر الأب رصيد مواقف لهذه الطفلة القوية، وكيف تصرفت فيها بذكاء.
في دقائق معدودة، صار المكان حرفيا كخلية نحل تبحث عن الطفلة. بالفعل وجدها على جوار الصف الأمامي من المقاعد، واقفة مستمتعة جدا، مبتسمة تصفق وهي تتابع فقرة الأطفال!

• حكمة تقود للثبات

(طبطب) الأب عليها بهدوء، وأبلغ الأم، وانتظر حتى نهاية الفقرة، وأخذ البنت للخارج، وكل من كان يقابل الأب والأم من الأصدقاء والمسؤولين، الذين كانوا يساعدون في البحث، أخذوا يهنئانهما ويحتضنون الطفلة، والطفلة غير مستوعبة لما يحدث، تلعب بالبالونة الحمراء التي في يديها..!
سألتها الأم بشيء من “العصبية”: “إزاي تسيبي الخيمة من غير بابا وماما يا بنت؟”
ردت البنت بكل براءة وعفوية ومنطق أفحمت بهم الأب والأم معا: “كل الأطفال بابا وماما بتوعهم جم خدوهم وإنتو مجيتوش، وأنا قولت للمِس أنا عارفة مكان بابا وماما في المسرح، وهي سألتني هتعرفي تروحي؟ قولت لها آه”.
الأب في اندهاش: “وبعدين إيه اللي حصل؟”
الطفلة: “أنا كنت متأكدة إنكم لا يمكن هتمشوا وتسيبوني فدخلت القاعة وقعدت اتفرج على السكيتش”!
• دروس مستفادة من أخطاء كبيرة
هنا يمكن أن نخرج بدروس كثيرة وتأملات أكثر، لكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القصة هو عدة أمور:
1- الجميع أخطأ:
مسؤولو خيمة الأطفال الذين تركوها تخرج دون والديها!
مسؤولو قاعة المسرح الذين تركوها تدخل دون اصطحابها لوالديها!
الوالدان لأنهما لم ينتبها أو يسألا عن موعد انصراف الأطفال من الخيمة!
الطفلة لأنها تحركت دون وجود بابا وماما!
2- الجميع حاول إصلاح الخطأ
الأب والأم والمسؤولون عن اليوم والزملاء والمعارف الذين تسارعوا للبحث عن الطفلة، إذ لم يضيعوا الوقت في الشجار والعصبية، وإلقاء التهم على بعضهم البعض، رغم أن ما حدث كان يمكن بمنتهى السهولة أن يقود لكارثة فقدان الطفلة في مكان مزحم كبير، حتى الطفلة تصرفت بهدوء، لم تخرج للشارع، لم تذهب بعيدا، بل دخلت القاعة في استمتاع واطمئنان.
3- تربية صحيحة أنتجت طفلة تشعر بالأمان
لولا كل ما زرعه الأبوان في الطفلة من مهارات ومحبة وأمان وسلام وتشجيع، وتعليم وخبرات عملية، وانفتاح محسوب على العالم، ما كانت الطفلة لتتصرف بهذا الهدوء، فخطأ واحد فقط منها كان كفيلا أن يقودها لمصير مظلم مجهول.
• الجميع يُخطي لكن رحمة الله فوق الكل

4- الإله الحي الحافظ الذي لا ينعس ولا ينام

لولا رعاية الله وعنايته وحمايته ورحمته ورأفته، وقيادته لكل أطراف المشهد بحكمة إلهية، لحدث ما لا يتمناه أحد لهذه الطفلة الجميلة.
جميعُنا نُخطيء، لكن أن نُخطي الأخطاء الإنسانية العادية ونحن تحت مظلة محبتنا لله وخضوعنا له شيء، وأخطائنا العمدية التي نستبيح فيها فعل الخطأ شيء آخر.
الله إله رحيم لا يقف لنا بالمرصاد، يعين ضعفاتناـ يساعدنا أن نقوم وننهض، يترأف علينا، يحمينا يحفظنا، يقودنا لبر الأمان، يتعامل بهدوء وحكمة ورحمة معنا ليحافظ علينا.
ولولا أن الوالدَين كانا متشبعيَن بهذه النظرة السليمة عن الله، لولا أن ردة فعلهما تجاه الطفلة، وتجاه الموقف، كانت هادئة ثابتة مليئة بالمحبة، وهو ما قادهما عند العودة للمنزل للجلوس مع الطفلة، وشرح ما حدث بالتفصيل، وتعليمها دروس مستفادة من هذا الخطأ، أوصلها لها شعورا بالأمان، ممزوجا بالتربية والتعليم والتقويم، والحزم المملوء محبة ورحمة.
وإن طبقنا ذلك علينا ككبار؛ لن نجد أروع من هذه الآيات المقدسة، التي تعكس لنا طبيعة محبة الله، وتعامله بصلاح وصبر مع أخطائنا.
“أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟” (رسالة رومية 2: 4).
“أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ.” (سفر المزامير 32: 8).
“وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ.” (سفر إرميا 31: 3).

بقلم: مينا نبيل

مواضيع تهمك
شارك اصدقائك