“كيمياء” بين شخصين عكس بعضهما
Roma
“كيمياء” بين شخصين عكس بعضهما
صديقان لا نعرف حتى اليومَ كيف التقت كيمياهما (الكيميا بتاعتهم يعني 😃
وأنا أقصد بالمناسبة كتابة عاميَّة وسط الفصحى؛ لسبب سنعرفه بنهاية هذه المقالة القصيرة!
● الصديق الأول:
شاب على مشارف العشرينات، مولع بالتكنولوجيا، بارع بمادة الرياضيات، يتمتع فيها بذكاءٍ فذ! حدَّ أنَّه كان يتحدى أساتذته في هذه المادة بمرحلة الثانوية العامَّة؛ فكانوا يأتون إليه بمسائل معقدة لتعجيزه؛
وكان يحلها بصبرٍ، وذكاء، وثقةٍ لا تخلو من بعض الاعتزاز!
وأتذكر ذات مرة أنَّ مُدَرِّس الرياضيات أتاه بمسألةٍ شديدة التعقيد، فشل هذا الشاب في حلها بعد محاولاتٍ كثيرة،
لكنه قال بالنهاية لمُدرِّسه “إن بالمسألة خطأ!” ضَحِكَ المُدرِّس، وسخر منه، قائلا “أخيرا مسألة معرفتش تحلها”
ليرد عليه بثقة “صدقني المسألة فيها حاجة غلط!” وبالفعل حاول المُدرس حَلها بطرقٍ عِدَّة كان يظن أنها ستصل به إلى الحل، لكن سرعان ما اكتشف أن بها فعلا خطأ؛ قام هذا الصديق بتحديده ليحل المسألة بمنتهى السهولة!
● الثاني
شاب في نفس عمر صديقه، لكنه يكره الرياضيات، لا يطيق حتى سماع اسم المادة، بينما يعشق اللغة العربية عشق العُصفور لصغاره، يشتاق دوما إليها كشوقِ الأمِ للولدِ! درسها دراسةً شخصية على مدار سنوات حتى صار ضليعا بها وبشتى أشكال الكتابة!
الأول رياضي (الرياضة البدينة) يذهب للجيم يلعب ألعابا قتالية ممشوق القوام له كاريزما اجتماعي جدا.
الثاني (بيتوتي جدا “يلزم بيته كثيرا”) لا يجيد العلاقات رغم خفة ظله الكبيرة، ليس رياضيا على الإطلاق!
لكن بينها كانت صداقة كبيرة، بعدما جمعتهما محبة رائعة، واحترام مُتَبادل، فكانا يتحدثان كثيرا، في صداقة مريحة نفتقدها هذه الأيام، حيث كانا لا يتكلفان أبدا لا في التعامل ولا الكلمات ولا المظهر!
أنهى سويا هذان الصديقان مرحلة الثانوية العامة:
هذا التحق بكلية الهندسة وذاك التحق بجامعة خاصة للعلوم الإدارية!
نعم لم يَعُد تواصلهما كثيرا كمان كان، لكن ظلَّت الصداقة والمودة كما هي!
إلى أن تعرَّض الصديق الأول في بداية المرحلة الجامعية، لعدة مواقف مؤلمة صدمته،
مثل أنه رسب في عدد من المواد بعامة الدراسي الأول بكلية الهندسة،
رغم ذكائه وتفوقه الحاد، الذي جعل الجميع يضعون توقعات عالية جدا على نجاحه!
أيضا كان قد تعرَّض لهزة مادية كبيرة في أسرته نتيجة ظروف طاحنة في عمل والده!
إضافة لتحديات أخرى لا مجال لذكرها!
وبعد فترة عصيبة، هاتف هذا الصديق الرياضي، مُحب الرياضيات، صديقه غير الرياضي، مُحب اللغويات،
وطلب أن يلتقيا؛ لأنه كان مضغوطا جدا، قابعا في حالة من اليأس والوجع الكبير!
بالفعل التقيا في حديقة عامة في نهار مشمس، وبمجرد أن ابتدأ الصديق الأول في الحديث، حتى بكى رغم شخصيته القوية، و كاريزمته الجذابة! فما كان من صديقه الثاني إلا أن استعار منه ثقته الشديدة، وقال له “تراهني في أقل من خمس دقايق أضحكك؛” فسخر الأول من الثاني، كما سخر من الأول قبل ذلك مدرس الرياضيات!
وقال له “مستحيل! ومش كل حاجة تاخدها هزار”
دقائق قليلة حتى استطاع الصديق الثاني إضحاك الصديق الأول من قلبه، وجعله يهدأ ويحكي ويتناقش،
في لقاء استمرَّ ما يقرب من ساعاتٍ ثلاث، انتهى بهما بودٍّ أكبر، ورصيد محبة جديد تمت إضافته لهذه الصداقة،
التي لم تخذل أحدهما حتى الآن، رغم مرور أكثر من 20 عاما على هذا الموقف!
هذا.. رغم أن الصديق الثاني كان يمرُّ أيضا بظروف مؤلمة جدا في هذه الفترة،
مثل وفاة والدته بشكل مفاجئ في سنٍّ مبكرة!
لكن ما سر التوافق بين هذين الشخصين، رغم أنهما ظاهريا عكس بعضهما تماما،
حيث لا اتفاق بينهما لا في المظهر أو اللغة أو الاهتمامات ولا حتى الطباع؟!
السر هو: اتفاقهما و اشتراكهما في الشغف الشديد، والإخلاص، والتفاني نحو الأمور التي يحبانها!
وهذا جعلهما يقتربان نفسيا وذهنيا لبعضهما؛ لأن هذا الشغف ولَّد لدى كل منهما ثقة كبيرة في النفس،
بأنهما حتما سوف يتمكنان مما يفعلانه طالما كانا مخلصَين له صادقين فيه!
المُحصلة:
هذا صار بعد مرور سنوات هذا عددها، مهندسا ناجحا جدا!
وذاك صار بعد مرور سنوات أيضا كاتبا ناجحا جدا!
تجمعهما المحبة حتى الآن!
الخلاصة:
لا عيب إذا من اختلاط العامية بالفصحى أحيانا، فظاهرياً قد يبدو هناك تعارضٌ
بين أشياء/ أشخاص/ مواقف أو أفكار، لكن جوهريا تجمعهم أمور مشتركة تصل بنا لنتائج رائعة!
الكاتب/ مينا نبيل