شوق الله إلى الإنسان

Roma
شوق الله إلى الإنسان

   شوق الله إلى الإنسان

منذ فجر الخليقة، والإنسان يبحث عن الله، يُحاول الوصول إليه بالصلوات والطقوس تارة، بالأعمال الحسنة والتزكِّي والتصدق والأمور الخيرية تارة، بيد أن هذا جميعه محض محاولات، من عبدٍ ضعيفٍ فاشل حقير مُحتَقَر، نحو إلهٍ جبارٍ قدوس متعالٍ غاضب لا يهدأ، يصبُّ في نهمٍ جامَّ انتقامه على هذا المُفسِد الصغير، الذي عليه من الله ما يستحقه من تأديبٍ وعقابٍ! 

هكذا حاول البشر! 

هكذا رأؤا الله! وهكذا رأوا أنفسهم في عينيه!

تُرى.. هل هذه الحقيقة كما هي في قلب الله وعقله؟! 

أم هذا كله تصوراتنا نحن! وما نتناقله من آخرين عنه؟!

في قلب القصة الإلهية، يظهر اتجاهٌ معاكس: الله هو مَن يقترب من الإنسان.

وهذا هو السرُّ الذي تتفرد به المسيحية، التي هي ليست ديانةً قائمة على محاولات بائسة تعيسة لإرضاء الرب وتفادي سخطه، بل حياة طرفُها الأول المُبادِر هو الإله شخصيا؛ بهدف إنقاذ الإنسان وتغيير قلبه ومداوته؛ وإغراقه بمحبة سماوية قادرة على إشباع باطنه المُتعَب الخائف المُنهَك!

الإيمان المسيحي لا يبدأ من الإنسان الصاعد إلى الله، بل من الله النازل إلى الإنسان، الحاضر في تاريخه، المشارك في آلامه وضعفه.

وحين نقول إن الله اقترب، لا نقصد أنه تغيَّر أو فَقَدَ مجده، بل أنه اختار أن يُظهر ذاته بطريقة يفهمها الإنسان. 

وكما أن النور لا ينقص عندما يدخل الظلمة، كذلك الله لا ينتقص حين يقترب من خليقته،
في التجسد، لم ينزل الله من مجده، بل كشفه في صورة يستطيع الإنسان أن يراها ويلمَسها.

هنا الله الذي كان يبدو بعيدًا صار قريبًا، لا كقاضٍ يُدين، بل كأبٍ يُنقذ، وطبيبٍ يشفي القلوبَ المنكسرة.

   فكرة التجسد ومعناها البسيط

التجسد في المفهوم المسيحي يعني أن كلمة الله الأزلي – الذي به خُلقت الخليقة – اتخذ طبيعتنا البشرية ليعلن محبته ويصالحنا معه. ليس المقصود أن الله تحوَّل إلى إنسانٍ بمعنى مادي، بل أن الله أظهر هويته الحقيقية في إنسان كامل هو يسوع المسيح. كما يُعبِّر الكتاب المقدس: «وَالكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا»  يوحنا 14:1

بهذا المعنى، التجسد ليس تقليلاً من شأن الله، بل هو أقصى إعلان عن محبته. فالله لم يرسل كتابًا آخر أو نبوة جديدة فقط، بل أرسل ذاته في شخصٍ حيٍّ يجسِّد كلمته، لم يعد الإنسان يسمع صوت الله من بعيد، بل يراه حاضرًا في التاريخ، في المسيح الذي عاش كما لم يعش أحد، ومات وقام ليهبنا حياةً جديدة.

هنا يكمن سر الرجاء المسيحي: الله لم يعد فكرة غامضة أو عقيدة نظرية، بل وجهًا يمكن أن نعرفه وقلبًا يمكن أن نحبه.

التجسد: نُكرر أنه لا يغيِّر من ألوهية الله، بل يكشف إنسانيته من جهة محبته. لقد أراد أن يدخل عالمنا المملوء ألمًا، لا ليديننا، بل ليحمل ألمنا، ويُعلن أنه لا يرفض ضعفنا. بل في الضعف يعلن مجده، وفي الجسد يظهر نوره، وفي الإنسان يجد موضع راحته.

   المسيح كلمة الله الحيُّ

في الفكر المسيحي، كلمة الله ليست مجرَّد قول أو أمر، بل هي شخص الله المُعبِّر عن ذاته. الكلمة هو الله ناطقًا، كما أن الفكر لا يُفهم إلا حين يُعبَّر عنه. لذلك يُسمَّى المسيح “كلمة الله؛” لأنه التعبير الكامل عن ذاته الإلهية، يقول الإنجيل: «فِي الْبَدْءِ كَانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الكَلِمَةُ اللهَ»  يوحنا ١:١

حين ظهر المسيح، لم يأتِ برسالة جديدة فحسب، بل جسَّد الرسالة نفسها. هو الحقُّ في صورة إنسان. لذلك نرى في حياته صورة الله الحقيقية: المحبة، والغفران، والرحمة، والعدل، والقداسة.

هكذا اقترب الله من الإنسان، لا ليُرعبه، بل ليحتضنه ويشفيه ويعيد إليه صورته الأولى. لقد صار الله قريبًا من الجائع والفقير والمريض والخاطئ، لم يرفض أحدًا، بل كشف قلب الله الأبوي الذي يبحث عن المفقودين ليعيدهم إلى البيت. لقد أظهر المسيح أن الله لا ينتظر الإنسان على الجبل، بل ينزل إليه في وادي الحياة اليومية، حيث الألم، والخطيئة، والضعف. وهناك يلتقيه، لا بالحكم بل بالنعمة.

   الأقرب مما نظن

التجسد هو قصة الله الذي لم يترك الإنسان وحده ، إذ جاء بنفسه في شخص كلمته، ليجعل العلاقة بين الخالق والمخلوق علاقة حبٍّ لا خوف.

في المسيح نرى أن الله ليس بعيدًا في السماء، بل قريب من قلب الإنسان الباحث عن النور.
هو لا يطلب من الإنسان أن يصعد إليه، بل يدعوه أن يفتح قلبه ليستقبله.

فربما السؤال ليس: كيف أصل إلى الله؟ بل: هل أسمح لله أن يقترب مني كما فعل يوم صارت الكلمة إنسانًا؟

إنها دعوة للتفكير واللقاء، أن نسمح لله أن يدخل حياتنا في علاقة حية. فالله لم يعد بعيدًا في السماء، بل صار معنا، إلهًا حاضرًا فينا.

      الكاتب/ مينا نبيل

 

مواضيع تهمك