هوية تبدأ من المذود
Roma

هوية تبدأ من المذود
في ظُلمة التاريخ، حيث بدا وكأنَّ صوت الله صَمَتَ، لكن النور أشرق في بيت لحم.
لم يأتِ المسيح مجرد نبي أو مُعلم، بل جاء الله المتجسد، الكلمة الذي «صار جسدًا وحلَّ بيننا» (يوحنا 14:1
الميلاد ليس حدثًا بالماضي نُحييه بالذكريات، بل سرٌّ مستمر يكشف عن طبيعة الله التي لا تكف عن الاقتراب
من الإنسان؛ لتمنحه حياةً جديدة ورجاءً لا يخيب.
في ميلاد المسيح نرى محبة الله وهي تخلع مجد السماء لتسكن بيننا. فبينما الإنسانُ يسعى إلى إرضاء الله عبر طقوسٍ جامدة لا تُغير فِكره أو طبيعته الداخلية، وأسوارٍ عالية من الشريعة التي طالما شَعَر أنه عاجز عن تطبيقها؛ بالتالي عاجز عن كسب رضا الرب ونوال رحمته، نرى الله نفسه يعبر إلينا؛ ليدحض بمحبةٍ سماوية عجيبة، كلَّ تلك المغلوطات المتوارَثة، ليدخل طواعيةً، ملؤها الحب، عالمنا الهش، ويقدس ضعفنا بالجسد الذي أخذه من العذراء مريم.
الميلاد هو إعلان أن الله لا يكتفي بمحبتنا من بعيد، بل يريد أن يصير «عِمانُوئِيل»، أي «الله معنا».
الله الذي غيَّر وجه الخليقة
عندما نتأمل في الميلاد، نكتشف أن الله لم يأتِ ليُجمل العالم، بل ليخلقه من جديد. فالخليقة القديمة التي سقطت بالخطية تستعيد في المسيح ولادتها الثانية. وكما تنبأ إشعياء: «الشعْبُ السالِكُ فِي الظلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا» إشعياء 2:9
ذلك النور هو حضور الله ذاته، الذي اقتحم عتمة أعماق الإنسان؛ ليحول يأسَه ومصيره المجهول، أملا، وطريقا نحو أبديةٍ ساطعة، في سِتر محبة الرب وحضوره!
في الميلاد تتجسد رحمة الله كواقع ملموس. إذ لم يعد الرجاء فكرةً غامضة، أو وعدًا مؤجلًا، بل شخصًا حيا.
يسوع نفسه صار رجاءنا المتجسد. لقد دخل التاريخ، وفي دخوله غيَّر مساره. حين نظر الرعاة إلى الطفل الملفوف بالأقمطة، لم يكونوا يرون مجرد وليد، بل بداية العهد الجديد بين الله والإنسان.
عالمين أنَّ الرجاء الذي يقدمه الميلاد ليس هروبًا من الواقع، بل هو قوة إلهية تعيد تفسير الواقع. فالله الذي صار إنسانًا يعلن أنه لا شيء بعيدٌ بعدُ عن متناول نعمته: لا ظلمة أعمق من نوره، ولا خطية أقوى من غفرانه الرحيم.
بذاك صار الميلاد وعدًا بأن التاريخ مهما انحرف، لن يُختم باليأس بل بالمجد؛ لأن الكلمة دخلت إلى الزمن تحوله أبديةً سعيدةً، مستمرَّةً إلى ما لا نهاية مع الله.
أنت محبوب، لا مجرد تابع
إن كان الميلاد هو دخول الله إلى عالمنا، فهو أيضًا دعوتنا للدخول إلى حياة الله. في التجسد، لم يأتِ المسيح ليضيف ديانةً جديدةً لتاريخ البشرية؛ بل ليمنح الإنسان هويةً جديدة. لم نُدعَ بعد عبيدًا أو أتباعًا، بل أبناء. كما يقول الإنجيل: «وَأَما كُل الذِينَ قَبِلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» يوحنا 12:1
أن تكون في المسيح يعني أن تدرك أنك محبوب قبل أن تكون مطيعًا. فالمسيح لم ينتظر استحقاقنا، بل أحبنا ونحن بعد خطاة. هوية المؤمن ليست مستمدة من أفعاله، بل من عمل الله فيه. الميلاد يذكرنا أن الابن الأزلي صار إنسانًا لكي يصير الإنسان ابنًا لله بالنعمة.
هذه البنوة ليست لقبًا رمزيا بل واقع روحي يتغير به كياننا من الداخل، إذ نحيا حياة جديدة يسكنها الروح القدس، فيصير القلب مسكنًا لله، والإنسان مرآةً لمحبته في العالم.
من هنا تنبع كل خدمة، وكل رجاء، وكل طاعة حقيقية: لا كمحاولات لكسب محبة الله وتأييده، بل استجابةً لحب مُعطى مسبقًا. حين ندرك هذا، يتحول الإيمان من التزام ثقيل إلى علاقة حية، ومن خوف إلى ثقة، ومن واجب إلى شكر.
دعوة إلى عيش الميلاد كل يوم
الميلاد لا يُختَزَل في الزينة والترانيم، بل يُعاش كل يوم حين نسمح للنور أن يولد في قلوبنا. المسيح لم يُولد فقط في مذود بيت لحم، بل يريد أن يُولد في قلب كل مؤمن.
اقبله الآن فورا في قلبك، لا تُضيع لحظاتٍ أخرى دونه!
فلحظةٌ جديدةٌ في معيته هي خُطوة نحو أبدية مجيدة!
ولحظةٌ جديدةٌ بعيدةً عنه هي خُطوةٌ نحو أبديةٍ مظلمة تعيسة!
إن كنت تريد أن تتبعه الآن أرسل إلينا وسنسير معك الطريق من بدايته وحتى آخره بمحبةٍ ومُشارَكة.
وعن دعوتنا، فهي أن نحمل هذا النور إلى عالمٍ ما زال يعيش في الظلمة، وأن نشهد أن الله معنا، وأننا فيه أبناء محبوبون، لا مجرد أتباع. فلنحيا الميلاد لا كذكرى بل كحقيقة متجددة نقودنا نحو حياةٍ تمتلئ بنور حضرته إلى الأبد.
· الكاتب/ مينا نبيل