الصلاة..من «فرض» إلى «فيض»
Roma

الصلاة..من «فرض» إلى «فيض»
في هذه الأيام التي يميل فيها الناس إلى الصوم والتأمل، حيث يبحث كثيرون عن معنى أعمق للعبادة،
يبرز سؤال صادق: هل الصلاة مجرد واجب نؤديه حتى نشعر بالراحة؟ أم إنها مَساحة حقيقية يلتقي فيها الإنسان بالله؟ الصلاة في جوهرها ليست حركات أو كلمات محفوظة، بل لحظة صدق يقف فيها الإنسان أمام خالقه، كما هو،
بقلبه وتعبه وتساؤلاته. هي ليست طقسًا خارجيًا، بل علاقة حيَّة تمس الداخل وتغيِّر نظرتنا للحياة.
يختزل البعض الصلاة في طلب الاحتياجات أو ترديد كلمات معتادة، كأنها وسيلة للحصول على ما نريد.
لكن الصلاة أعمق من ذلك بكثير. هي أن يفتح الإنسان قلبه أمام الله، لا ليخبره بما يجهله، فالله يعلم ما في الصدور، بل ليجد في حضرته راحة وامتلاء. الله في الصلاة ليس بعيدًا ولا غائبًا، بل قريب من القلوب الصادقة، يسمع قبل أن نطلب، ويشعر بما نعجز عن التعبير عنه. نحن لا نصلي لكي نغيِّر إرادة الله، بل لكي نفهم الطريق الصالح الذي يقود إلى السلام الحقيقي.
من ثِقَل الواجب إلى راحة القُرب
كثيرًا ما يشعر الإنسان أن العبادة عبء، أو أنه مقصِّر مهما حاول، وكأن الصلاة فريضة ثقيلة تُؤدَّى خوفًا لا شوقًا.
لكن حين يقترب القلب بصدق، تتحول الصلاة من فرض نؤديه إلى فيض يملأ الداخل سلامًا وطمأنينة.
فالله لا ينتظر منا الكمال، بل الصدق، ولا يطلب أداءً مثاليًا، بل قلبًا حاضرًا.
عندما يخلو الإنسان بنفسه في الصلاة، فهو لا يخاطب قوة مجهولة، بل يقف أمام إله رحيم يعرف ضعفه ويقدِّر سعيه. في هذه اللحظات، يتحول الخوف إلى اطمئنان، والتعب إلى راحة، والتشتت إلى وضوح. الصلاة ليست محاولة شاقة للوصول إلى الله، بل استجابة لرحمته التي تفتح الباب لكل من يطلبه بإخلاص.
الصلاة صمت يصنع سلامًا
ومن الأخطاء الشائعة أن تكون الصلاة كلامًا بلا توقف. أحيانًا، أعظم ما في الصلاة هو الصمت. في لحظات السكون،
يجد القلب فرصة ليستمع، ويشعر بسلام عميق يتسلل إلى الداخل ويخفف ثقل الأيام. ليس مطلوبًا كلام كثير،
بل حضور صادق، فالله أقرب مما نتصور، ويصل إلى القلب حين يهدأ الضجيج.
الصلاة الحقيقية لا تنتهي عند الكلمات، بل تظهر في الحياة. هي التي تجعل الإنسان أكثر رحمة، وأقرب إلى الخير، وأقدر على فهم الآخرين. فمن يذوق السلام في صلاته، لابد أن يفيض به على من حوله. الصلاة ليست هروبًا من الواقع، بل قوة تعين الإنسان على مواجهته بقلب ثابت ونفس مطمئنة.
في النهاية، الله أقرب إلى الإنسان من أنفاسه، ولا يطلب منه سوى قلب صادق. لا ينتظر كلمات منمقة،
ولا أداءً بلا خطأ، بل صدقًا يكون جسرًا للمحبة.
ارفع قلبك اليوم بكلمات بسيطة وقل كما أنت: “يا الله، دُلَّني على طريق السلام، واملأ قلبي نورًا وهُدى.” عندها ستكتشف أن الصلاة لم تعد عبئًا، بل صارت راحة، ولم تعد فرضًا ثقيلًا، بل فيضًا يحيي القلب.
ابدأ الآن بخطوة صغيرة. خصص دقيقة للصمت والتأمل. جرب أن تكتب ما في قلبك، أو تشارك شعورك مع أحد. لاحظ الفرق في يومك وحياتك. اجعل الصلاة عادة حقيقية، لا مجرد واجب. افتح قلبك للحياة، للسلام، للمحبة، ولله الذي يقترب دائمًا منك. لا تنتظر الغد، ابدأ اليوم. كررها غدًا، وتابع كل أسبوع، وشارك تجربتك مع من تحب، ودعهم يكتشفون جمال اللقاء مع الله من خلالك.
• الكاتب/ مينا نبيل