سور أم جسر؟

Roma
   سور أم جسر؟

   سور أم جسر؟

 ورث أخوان عن والدهما مزرعةً جميلةً، كانت تلك المزرعة كجنة الله على الأرض، تجتازها قناةٌ مائيةٌ جميلة تروي طرَفَي المزرعة. كبر الأخوان وتزوجا، فأرادا أن يستقلا كل واحد بحياته. وبالفعل، بنى كل واحد بيتًا صغيرًا على جانب من جوانب القناة، واستقلا بحياتهما بمنتهى المحبة.

كان أيُّ واحدٍ من الأخوين يحب أن يزور أخاه، يستقل قاربًا صغيرًا، ويعبر إلى الناحية الأخرى ليزور أخاه.

ومع الوقت، بدأ الجيل الثاني من العائلة يفعل الشيء نفسه، فكل أخ أنجب أطفالًا، وبدأت العائلة تتسع، ولكن ما يُميز الكل هو المحبة التي تغطي الجميع.

كانت العائلة تجتمع كثيرًا في ليالي الصيف حول حفلات الشواء، يفرحون ويمرحون، ثم يستقل الزائر القارب هو وعائلته، ويرجع سعيدًا إلى مزرعته.

لكن دوام الحال من المحال، ففي يومٍ احتدَّ أحدهما على الآخر، عندما اعتقد أن أحد أطفال أخيه اعتدى على أطفاله. فتبادلا هو وأخوه الاتهامات ليتحول النقاش والعتاب إلى سوء تفاهم.

ودائمًا عند حدوث مثل هذا النوع من الخلافات يظهر بعض الناس الذين يحاولون أن يكونوا ودودين، ولكن هؤلاء عملوا على زيادة دائرة الخلاف، فكلما زاد الخلاف زادت الاستفادة منه عند الطرف الثالث.

وانتهى الأمر بقطيعة، والمسافة بين الأخوين بَعُدت جدًا…

لم تَعُد مجرد قناةٍ من المياه يربطها قارب، لكن صار هناك مسافة في المشاعر، وانتهى الأمر بحدود غير مرئيةٍ، نمت في قلبي الأخوين، لم تنجح صداقات الأطفال في تقريبها.

وما زاد هذا الأمر، أن الأخوين استيقظا فجأةً في يوم من الأيام ليجدا القارب وقد أمسكت به النار تمامًا، ليصبح العبور من مزرعةٍ إلى أخرى مستحيلًا. ومن جديد، زادت الفجوة كثيرًا، فكل أخ اتهم الآخر بأنه هو من أحرق القارب، وظل الفاعل مجهولًا، ولكن القطيعة صارت أكثر تعقيدًا، وبدا الأمر أن هذه القطيعة صارت نهائيةً.

وحلَّ الصمتُ مكان الغناء، واستمر الصمت بين الأخوين عدة أسابيع، لم يجرؤ أي طرفٍ على كلام الآخر،

لأنه مقتنع بأنه ينبغي عليه أن يحافظ على كرامته، وألا يدع الآخر يهينه. وبالطبع كانت هذه نصيحة الناصحين،

فتحول الصمت إلى جفاءٍ شديدٍ استمر لشهور، بل أصبحا يتجنبان حتى الرؤيا… لا كلام، ولا رؤيا،

وتنبيه من الكبار على الأطفال أن يبتعدوا بدورهم، كل شيءٍ انتهى.

في يوم من الأيام مر عامل بناءٍ على الأخ الأكبر… وقال له: أبحث عن عمل، وأعتقد أنك تحتاجني.

فكر الأخ الأكبر وبسرعة قال: لا أريد شيئًا، الحياة هنا لا تحتاج إلى عامل بناءٍ.

  • كيف؟… أعلم أن بينك وبين جارك مشاكل، ألا تريد بناءً يحل هذه المشكلة من جذورها؟
  • بناء يحل المشكلة من جذورها؟

 ردد الأخ الأكبر الكلمات، وهو ينظر إلى تلك القناة الصغيرة الشبيهة بنهرٍ صغير،

ونظر إلى أشلاء القارب المحروق المركون على الضفة الأخرى، وراودته فكرة. وسرعان ما أعلن عنها بحماسة:

“صحيح… لقد ذكرتني الآن… أنا بالفعل أحتاجك.

  • ماذا تريدني أن أفعل؟
  • هذا الرجل الذي أسميته جاري، أنا لا أريد أن أراه، هو في الواقع أخي الصغير، ولكنه أساء إليَّ كثيرًا، وفي النهاية حرق القارب الذي بيني وبينه، كما أن أولاده يهينون أولادي… أريد أن أُنهي هذه العلاقة تمامًا. نظر إليه عامل البناء وقال: تريد أن تُنهي علاقتك مع أخيك؟
  • أجل، كرامتي فوق كل اعتبار، والقاعدة الأساسية أن أعتزل من يؤذيني، لذلك أريد أن أصنع حدودًا قويةً بيني وبينه، حتى تظل كرامتي مصونةً.
  • كل هذا جميل، لكني لم أفهم، ما دوري أنا؟
  • أريد أن تبني لي سورًا عاليًا، يمنع من رؤيتي له، يمنعه من أن يستمر في إهانتي أنا أخوه الأكبر.
  • لكن السور سيضرك أنت أيضًا.
  • كيف؟
  • سوف يحجب عنك جمال منظر المياه الذي ينساب.
  • لا يهم، حرماني من قبح أخي يُعوض عن الجمال الضائع، لا بد أن أهتم بكرامتي أكثر، وأعمل ألا أُهان أكثر، والحدود هي الحل.

   نظر إليه العامل مفكرًا ثم قال: نعم، دع هذه المهمة لي، سوف أبني لك ما يَسُرُّك إن شاء الله.

وأعطى الأخ الأكبر للعامل كل الأدوات اللازمة للعمل، وسافر إلى المدينة تاركًا إياه شهرًا كاملًا. وعند عودته من المدينة، كان العامل قد أنهى البناء، ولكن يا لها من مفاجأة! فبدلاً من إنشاء سورٍ عالٍ، بنى جسرًا جميلًا يجمع بين طرفي النهر. في تلك اللحظة، كان الأخ الأصغر ينظر من بيته منتظرًا رجوع أخيه من السفر، وما أن رآه قادمًا إلى بيته حتى جرى ناحية أخيه وقال له: أخي الكبير، لقد كنت كبيرًا في كل شيءٍ، أأُحرَق قاربك فتبني لي جسرًا؟ تبني جسرًا بيننا، برغم كل ما بدر مني! أنا حقيقي فخور بك يا أخي الأكبر.

وبينما الأخوان يحتفلان بالصلح، أخذ العامل يجمع أدواته استعدادًا للرحيل، فقال له الأخوان بصوتٍ واحدٍ:

انتظر، ابقَ معنا، يوجد لك مكان، لكنه أجابهما: كنت أحب البقاء معكما…

لكن يجب عليَّ أن أذهب، يوجد جسور أخرى عليَّ أن أبنيها.

الكاتب/ عماد حنا

مواضيع تهمك