يسعد صباحك

Roma
يسعد صباحك

 يسعد صباحك

إنه أوَّلُ أيَّام العام الجديد، استيقَظ الأستاذ ألبير من نومه كعادته في الثالثةِ صباحًا… على الرغم من أنَّ هذا اليوم هو يومٌ مختلف بالنسبة لكثيرين، إلَّا أنَّه لم يكن أبدًا مختلفًا بالنسبة له، بل كان هذا اليوم مثل الأمس، وهو واثق أن الغد لن يختلف كثيرًا عن اليوم وأمس، لا جديد…

كعادته في هذا الوقت من العام يكون موعد الثالثة صباحًا هو موعد بداية الرُّجوع إلى البيت من احتفالات رأس العام، أو يكون موعد الذهاب إلى النوم عند كل من يحتفل بعامٍ ميلاديٍّ جديد، بعد توديع العام السابق قبل ساعاتٍ قليلةٍ، وبعد تقديم شكرٍ للقدير على عامٍ مضى، وتعهدات لعامٍ جديدٍ وإعلان غفرانٍ وبداياتٍ جديدة.

هذا تقليد عند كل من يعرفهم الأستاذ ألبير، وكان هذا أيضًا تقليدًا يفعله في سنواتٍ سابقة، لكنه ومنذ بضعة أعوام توقَّف عن توديع أعوام انتهت، أو استقبال أعوامٍ تنوي أن تأتي، بل ذهب إلى سريره محاولًا أن ينام في موعده اليومي بهدوء، صحيح أنَّه كلما يُغمض عينيه كان يرى ضحكات الماضي وفرحته واحتفالاته، لكنه كان قد أضاع كل هذا من يده… فاستسلم لحاله… وقبل أن ينام قال لنفسه: اليوم يا ألبير مثل الأمس، لن يكون هناك استرداد لعلاقة مفقودة، وغدًا لن تكون هناك بدايات جديدة، عليَّ أن أنام لأبدأ عملي في موعده مثل أي يوم.

كان ألبير قبل أن ينام تراوده رغبة في الذهاب إلى الكنيسة،

ولكنه سرعان ما يتراجع يقول لنفسه وهو يُغمض عينيه…

يقولون في نهاية كل عام يقفون في الكنيسة، ويغفرون لبعضهم البعض، ويبدأون بدايات جديدة،

أذكر كل هذا لأني كنت أفعله كل عام… لكن لم أعُد أرغب في أن أراهن على تعهُّدات غالبًا لن تُوفَّى.

أي تعهُّدات أو قرارات تحدث في هذا اليوم يا ألبير هي وهمٌ لن يكون له أي نتائج في المستقبل،

وإذا وُجِدت نتائج، فلن تمكث طويلًا، سرعان ما سوف تسيح كالزُّبدة، وتنتهي كأنها لم تكن بالكثير بعد يومين،

لذلك لن يكون هناك أي تغيير، لذلك لن أذهب لأحتفل.

سكت قليلًا، ثم قالها مؤكِّدًا: أجل، لن يكون هناك أي تغيير، الذي يكرهك سوف تستمر كراهيته لك،

ومن غادر حياتك بالتأكيد لن يعود… هكذا تسير الأمور يا ألبير فلا تُقاوم… وارضخ للخَسارة كرجل

… سوف أستسلم لكوني وحدي الآن…

سكت من جديد، ثم بدأ يتكلَّم بصوت عالٍ يخاطب نفسه: ولا تقلق يا ألبير،

فلن يمضي وقت كثير إلَّا وتغادر أنت أيضًا للقاء الراحلين، هم أكثر وفاءً لك، وأكثر محبةً لك.

ساعات مرَّت منذ أن ذهب ألبير إلى الفراش، يتقلَّب وهو يؤدِّي دور النائم إلى أن جاءت الساعة الثالثة صباحًا

موعد استيقاظه من النوم.

الساعة الآن الثالثة صباحًا من أوَّل يناير، يا له من يوم مُقبِض… الجديد الذي حدث فيه أن الرزنامة التي يحتفظ بها على مكتبه، وفي هاتفه تغيَّرت، وصار الرقم الذي تحمله من رقمٍ لرقمٍ أكبر منه…

كان الأستاذ ألبير يكره البدايات، فهو يراها مجرَّد نهايات ماتت، لذلك عندما نهض ليبدأ يومه كان يشعر بقلبٍ منطفئٍ لا يريد أن يخطو هذا اليوم، ولكنه تحامَل على نفسه… وجلس على مكتبه كعادته، وأمسك بالقلم وبدأ يكتب.

كانت مهنته الكتابة، وهو غزير الإنتاج عندما يكون مُحبَطًا أو مكتئبًا، لذلك هي الحسنة الوحيدة لما يشعر به الآن، الأفكار تتدفَّق من رأسه إلى الورق في انسيابيةٍ تامة، لذلك ترك الكلمات تنساب من يده لتنتقل إلى الورق،

هذا في حد ذاته دليل على أنَّه لا يزال حيًّا… بل هو الدليل الوحيد، لذلك عليه أن يستمر في الكتابة حتى يسقط من يده القلم… وتتوقَّف يده عن الكتابة. ويتوقَّف عقله عن التفكير.

وقتئذٍ يتأكَّد أن النهاية التي ليست بعدها بداية قد أتت… وهذا هو الخبر الجيد الوحيد الذي ينتظره.

يستمر في الكتابة، وهو يعيش وحده… حتى وهو وسط الناس يعيش وحده، ولكن حدث ما كسر ذلك الهدوء، صوت باب يُفتح، يستمع بتدقيق… أجل إنَّه باب شقته يُفتح بهدوء ثم يُغلق…

رَجفة في أعماقه… لا بد أنَّه يحلم… هل هو صوت باب شقته هو؟ في الثالثة صباحًا؟ لا بد أنَّه يتخيَّل.

تجاهَل الصوت، واستمر في الكتابة… فجأة سمع كلمات أغنية طالما أسعدت قلبه… بدأ يسمعها:

يسعد صباحك يا حلو. إنها فيروز التي كثيرًا ما شاركته حياته مع… مع من غادرته بلا عودة، إنها أغنية فيروز، ولكنها ليست فيروز.

من أين أتى هذا الصوت، هل تتغير النهايات؟ الانتظارات؟ هل يمكن أن نصنع تعهُّدات جديدة؟ هل يعود القديم للحياة؟

هل يمكن أن تدبَّ الحياة في قلبٍ من توقَّف عن الشعور منذ… منذ أن تركته تلك الشريكة القديمة للحياة،

وصنعت أمامه تلك الحدود؟

قلبه العجوز ينبض. غير معقول، إنه بالفعل ذلك الصوت. يستمع من جديد: يسعد صباحك يا حلو

بالتأكيد لم يكن صوت فيروز، بل صوتًا طالما انتظره ويئس من حضوره، يئس من أن يعود إليه،

ويشرق فتبتسم الدنيا في وجهه، ولكنه يستمع إليه الآن، ربما تغيَّر قليلًا بسبب عامل الزمن، لكنه هو.

هل حدثت المعجزة؟ هل وُلِدت محبة جديدة عوضًا عن تلك التي ماتت؟ هل ماتت تلك الكراهية التي وُلِدت منذ سنوات، وصارت تكبر وتكبر حتى صنعت كل هذا الجفاء؟

لم يكن يفهم، ولكنه لا يزال يسمع تلك الكلمات التي كانت في يومٍ من الأيام الكلمات الصباحية المفضلة:

يسعد صباحك يا حلو، يلتفت خلفه بسرعة… فيشرق وجهه بشدَّة. ويبدأ عام جديد.

الكاتب/ عماد حنَّا 

 

مواضيع تهمك