أمـي لا تكـذب أبـدًا

Roma
  أمـي لا تكـذب أبـدًا

  أمـي لا تكـذب أبـدًا

لم أكن أتخيل وأنا أسير في ذلك الشارع الجانبي أني سأتعلم درسًا يقلب موازين حياتي، وأيضًا لم أكن أعرف أن معلمي هو طفل صغير لم يتجاوز السابعة.

على أي حال، لقد سرت في ذلك الشارع المجهول؛ لأنه كان الطريق المختصر لبيتي، على الرغم من خوفي من الأخطار التي قد تأتيني من هذا الظلام الدامس إلا أني تعودت اجتيازه. في هذه المرة، شاهدت شبحًا يقف أمام

ذلك العمود الذي كان قديمًا عمود إنارة، ولكنه تحول بفعل الزمن وعوامل أخرى إلى عمود صدئ مخصص للشباب المتسكع أن يسندوا أكتافهم عليه بلا مبرر.

ولكن هذا الشبح الواقف لم يكن كبقية المتسكعين، بل إنه نجح في لفت انتباهي. اقتربت منه فوجدته غلامًا هزيلًا جدًا كما لو كان آتيًا من مجاعات الصومال التي نسمع عنها.

وبسرعة بدأت في الكلام معه، على الرغم من هزاله الشديد، إلا أنه يحمل عينين في منتهى الذكاء، تحمل معهما أيضًا كل ملامح الحزن.

•        “لماذا تقف هنا يا بني، هذا المكان من الممكن أن يكون خطرًا عليك.”

فرد الصبي بثقة: “أنا في انتظار الله.”

نظرت إليه، لقد كنت أنتظر الكثير من الردود، ولكني لم أنتظر هذا الرد، فأسرعت وقلت له: “في انتظار الله؟… لست أفهمك، الله هذا الذي نعبده؟ أنت تنتظره؟ هل أعطاك موعدًا لينتظرك هنا؟”

وبجدية كاملة قال الصبي: “أجل يا سيدي، لكن في الحقيقة هو لم يكلمني مباشرة، لكنه استخدم وسيطًا لكي يبلغني بهذا الأمر، لذلك أنا منتظرُه.”

 •   ولماذا أنت منتظره، ماذا تنتظر منه؟”

 •    أنا في انتظار ربنا يأتي كي يعتني بي يا سيدي!”

لم أجد ما أقوله، فوقفت متأملًا للحظات، وأنا أحاول أن أقرأ ما بداخله من خلال قسمات وجهه، فلم أجد إلا جدية وثقة. لذلك بعد لحظات الصمت هذه قلت له بكلمات مشددة: “أنت منتظر ربنا كي يأتي إليك هنا ويعتني بك؟”

فوجدت الغلام يجيب في حماسة: “أجل، الله أرسل إلى أمي، وأخذها عنده وكان قبل هذا الوقت قد أخذ أبي وكل إخوتي، لم يعد هناك أحد سواي، وأمي قالت لي قبل أن تغادر أن الله بعد ذهابها سوف يأتي ويعتني بي، لن يتركني وحدي. وأنا هنا في انتظاره يا سيدي.”

ما زلت واقفًا أنظر إلى الصبي، عاجزًا عن التجاهل، عاجزًا عن المغادرة، وفي الوقت نفسه عاجزًا عن الكلام. لا أنكر إعجابي بالولد وثقته الكبيرة، أخذت أنظر إلى الغلام وذهني ذهب لبعيد جدًا، قلت في نفسي: “إذا كان الله قد رزقني بابن ما كنت أحلم أن يكون مثله، على الرغم من أنه يحتاج إلى عناية صحية كبيرة، إلا أنه يأسر القلب بصورة كبيرة.”

وعندما طال الصمت قال الغلام: “أنت لا تصدق أن الله سوف يأتي، أليس كذلك؟”

أيضًا لم أجد ردًا يمكن أن أقوله له، لم أستطع أن أقول له إنني متأكد أنه لن يأتي، في الواقع لم أرد أن أخزله وهو ممتلئ بمثل هذه الثقة، ولكني أثق أن انتظاره سيطول. أيضًا عندما وجدني لا أتكلم قال:”أمي لم يسبق لها أن كذبت عليَّ، هي لا تعرف إلا الحق، وهي قالت أن ربنا سوف يأتي ويعتني بي وأنا أؤمن أن ربنا سوف يأتي مهما تأخر، أمي لا تكذب أبدًا.”

•   هل ترى انتظارك هذا منطقيًا؟”

•   أجل، لأن أمي لا تكذب أبدًا.”

امتلأت عيني بالدموع، وبداخلي صراع كبير، صراع مصدره تساؤلات كثيرة تدفقت داخل عقلي وتحتاج إلى إجابة، أهم هذه التساؤلات هو: هل ستقبل زوجتي التي انتظرت لعشرين عامًا أن يعطيها الله ابنًا بلا جدوى بهذا الولد؟! أم ستعتبره متشردًا اقتحم حياتها؟… هل ستلومني أنني اتخذت قرارًا دون أن أرجع إليها؟! وتتهمني بعاصفة من الاتهامات؟ هل يمكن أن نرتب أوراق الولد كي يكون ابننا أم سنواجه مشاكل مع الحكومة وما إلى ذلك؟ كل هذه التساؤلات اقتحمت عقلي، ودخلت في أعماقي كعاصفة، ولكني لم أكترث لكل هذا لذلك وجدت نفسي بمنتهى الهدوء أرد على الغلام:

•     لم تكذب أمك عليك يا بني، ربنا أرسلني لأجلك، كي أعتني بك.”

وفجأة رأيت أجمل إشراقة نور على وجه الولد وقال: “ألم أقل لك، أمي لا تكذب أبدًا،

لكنك تأخرت كثيرًا في الطريق يا سيدي.”

مسحت دمعة تسللت إلى عيوني، وابتسمت له وأنا أقول: لقد أتيت عندما قال الله لي أن آتي

، لقد تأخرت قليلًا على ما يبدو لكي يختبر القدير صبرك. المهم،

لنتوقف عن كلمة سيدي، تستطيع أن تقول من هذه اللحظة أبي، هل تعلم؟”

•    ماذا؟”

•  أنا لم أعرف اسمك بعد.”

قلتها وأخذته في حضن كبير.

الكاتب/ عماد حنَّا 

ا

مواضيع تهمك