لا شأنَ لنا به

Roma
 لا شأنَ لنا به

 لا شأنَ لنا به

من أكثر الحروب التي تركت مشاعر داميةً في قلوب من خاضوها هي الحرب الأمريكيَّة الفيتناميَّة.

ففي هذه الحرب، كان هناك صراع دامٍ أثمر عن فقدان الكثير من الشباب من الجانبين،

علاوة على تشوُّه الكثير منهم وفقدانهم لأجزاء من أطرافهم. لذلك، كانت هذه الحرب تحتوي على الكثير من القصص المؤلمة، سواء على الجانب الأمريكي أو الجانب الفيتنامي.

في أثناء الحرب، رنَّ جرس الهاتف في منزلٍ بولاية كاليفورنيا حيث كان يعيش زوجان عجوزان،

ليس لهما إلا ابنٌ واحد انتزعته الحرب من أحضانهما، وألقته في صراعٍ لا ينتهي في أرضٍ ليست أرضه،

يُحارب لأجل قضيَّة ربَّما لا يفهمها. لقد كان الابن مُجنَّدًا في الجيش الأمريكي ومسافرًا في فيتنام.

عندما رنَّ جرس الهاتف، أسرع الأب العجوز نحو الهاتف كالملهوف ليرد، فنادرًا ما كان جرس الهاتف يرنُّ، بالذات في الفترة الأخيرة التي غاب فيها الابن الشاب. لذلك، كان جرس الهاتف بالنسبة للأب خبرًا محتملًا، أو صوتًا متلهفًا لسماعه. وقد كان مثلما تمنى، كان الابن الغائب هو الذي على الطرف الآخر من الخط.

وجاء صوت الابن عبر الأثير مُتعبًا ومنهكًا، ولكن على الرغم من هذا، كانت مكالمة طويلة بين الأب وابنه. 

وكانت المكالمة تحمل معها خبرًا سارًّا: لقد رجع الابن، هكذا قال، ولكنَّه اضطر أن يتأخر يومين عن الوصول للبيت؛ لأنَّه مرتبط بصديقٍ مريض لم يستطع أن يتركه. وعندما عبَّر الأب عن استيائه لهذا التأخُّر، وأنَّه عليه أن يترك صديقه هذا ليأتي ويرى أبويه المنتظرَيْن، قال الابن: “صديقي يحتاجني بشدَّة يا أبي، هل…”

•     ماذا؟

•    هل يمكن أن يصحبني معي إلى البيت؟

•    لماذا يا ولدي؟… لماذا لا يذهب إلى عائلته؟ أكيد له عائلة وهي تنتظره الآن.

 قال الابن بتردُّد شديد: أبي… إنَّ صديقي هذا يحتاج إلى رعاية، وهو يحتاج أن يتكاتف البيت كلُّه كي يرعاه.

هل آتي به إليكما؟

سكت الأب قليلًا، ثم قال بهدوء: ما طبيعة إصابة صديقك؟

•    لقد فقد ذراعَيْه وقدمه اليمنى في الحرب، ويتحرَّك بصعوبة شديدة.

قال الأب بحسرة: إصابته شديدة ويحتاج رعاية.

•    أبي… أحب أن يأتي معي. هل أقدر أن أحضره معي؟ أريدكما أن تساعداني على رعايته من أجلي.

فكَّر الأب، ونظر إلى الأم العجوز المنهكة، التي كانت بدورها تحتاج إلى رعاية، وإلى نفسه. في الوقت نفسه،

نبرة التوسُّل التي نطق بها ابنه الطلب أوقفته، ففكَّر بصوت عالٍ: تأتي به معك؟

فقال له الابن مؤكِّدًا: نعم، أنا لا أستطيع أن أتركه وهو يخاف أن يرجع إلى أهله بهذه الصورة، ولا يقدر على مواجهتهم؛ لأنَّه يخاف أن يكون عبئًا عليهم.

ومن جديد، مرَّت لحظات من الصمت، ثم قال الأب قراره المخيب لآمال الابن: يا بني، ما لنا وماله،

اتركه لحاله ودع الأمر لإدارة المستشفى لتتولَّى هي رعايته، أمَّا أن يأتي معك إلى البيت فهذا مستحيل.

   مستحيل؟

قالها الابن بحسرة، بينما أكمل الأب: من قادرٌ على خدمته؟! أنت تقول إنَّه فقد ذراعَيْه وقدمه اليمنى، سيكون عالةً علينا. لن نستطيع رعايته. من يقدر أن يعيش معه ويرعاه؟

هذه المرَّة سكت الابن، سكت لدرجة أنَّ الأب سأله: هل ما زلت تسمعني يا بني؟! لماذا لا ترد؟

فرد الابن: أنا أسمعك يا أبي. هل هذا هو قرارك الأخير؟

قال الأب بإصرار: نعم يا بني، اتصل بواحدٍ من عائلته، حتى يأتي ويتسلَّمه.

فرد الابن بسؤال: ولكن هل تظن يا أبي أنَّ أحدًا من عائلته سيقبله عنده هكذا؟

بهدوءٍ قال الأب: لا أظن يا ولدي، لا أحد يقدر أن يتحمَّل مثل هذا العبء!

وأوَّل ما سمع الابن قرار الأب، أنهى بسرعة المكالمة وقال: لا بد أن أذهب الآن. وداعًا.

هذه المكالمة كانت آخر مرَّة يسمع فيها الأب صوت ابنه، لأنَّ الابن انتحر بعد أن هرب من المستشفى. وعندما ذهب الأب كي يستلم جثمانه، وجده بدون ذراعَيْن وبدون قدمه اليمنى. عندها فقط فهم الأب!

لم يكن الابن يكلمه عن صديق، لكنَّه كان يتكلَّم عن حاله هو.

الكاتب/ عماد حنَّا 

 

مواضيع تهمك