المرسل الصغير

william

المرسل الصغير

وضعت الجريدة جانبًا، لقد هزني النبأ كثيـرًا، يا إلهـي! ما أبغض هذا الخبـر! لم أتمالك نفسي من البكاء، وأنا المعروف عنـي أني بطيء التأثر، ولكن هذا الخبر الذي قرأته في الجريدة هز كل مشاعري، وبسرعة ذهبت إلى أرشيفي الخاص لأُخرِج ملفًا يحتوي على مجموعة من الرسائل، أخذت أقلبها بسرعة وأنا أتذكر صاحبها الذي لم أره أبدًا، ولكنـي ارتبطت معه بعلاقة دامت قرابة العام والنصف.
امتدت يدي بأول رسالة بعثها لي، كانت من الورق الرخيص واستخدم في كتابتها القلم الرصاص، وان كان خطه جميل وواضح.
فأخذت أقرأ الرسالة وأنا أتخيل صبيًا صغيرًا فقيـرًا وبائسًا، ينظر إلي من خلال السطور والكلمات ويقول لي:
“السادة الأحباء: أحييكم باسم الحبيب يسوع، وأتمنى لكم دوام الازدهار، اسمي “بوب فلنت”، وعمري سبعة عشر عامًا وبضعة أشهر، منذ ثلاثة أعوام وأسفل عمود النور الذي ينيـر الشارع الذي أسكن فيه، عرفت المسيح، اختبـرت تلك المحبة العجيبة التـي أحبنـي بها، وصليت لذلك الإله العجيب، وأنا في أشد حالات السعادة؛ لقد صرت ابنًا لله، ظروفي الحياتية صعبة جدًا، مما جعلنـي أترك دراستي وأعمل حمالًا في محل بنفس ذلك الشارع الذي فيه عرفت المسيح وفيه أسكن، لقد اضطررت أن أعمل تلك الوظيفة المتعبة في ذلك السن المبكر سعيًا وراء لقمة العيش، وهذا مؤسف؛ لأني كنت أحب أن أدرس كثيرًا، ولكن شكرًا لله أنه أعطاني فرصة كافية من التعليم فتعلمت القراءة والكتابة، واستطعت أن أقرأ الكتاب المقدس يوميًا، وأن أكتب لكم، إن خدمة الفادي هي منتهـى أملي، وأشعر أن إرادة الله في حياتي أن أكون مرسلًا، لا أعلم إلـى أين، فالله لم يقل لـي بعد، وحتـى ذلك الحين أريد أن أُظهر تلك المحبة التـي أكنها للفادي، كما أني أريد أن أدعم تلك الرغبة الدفينة الملحة بأن أكون مرسلًا بالدراسة، أريد أن أدرس الكتاب المقدس دراسة جيدة لذلك كتبت لكم، فأنا عرفت من صديق لـي أنكم مدرسة تُدرِس الكتاب المقدس بالمراسلة، أيضًا عرفت أن تلك الدراسة مجانية، وأنا شغوف بالدراسة، فهل تبعثون إلي شيئًا أدرسه؟ ليكن سفر دانيال؛ فإعجابي بهذا النبـي عظيم؛ إذ أراه مرسلًا إلى الأعداء يعيش وسطهم ويشهد عن إلهه بجراءة وشجاعة، حتـى استطاع أن يجعل ملك الأعداء الوثني يمجد الرب، لم يبالِ بالشدائد حتـى ولو كانت أسود الحيوانات أو ثعالب البشر، أنا أريد أن أكون مرسلًا مثله، لذلك أود أن أبدأ بدراسة كلامه المقدس، فهل يمكن أن أحصل على هذا الشرف؟
أرجو أن ترفعوا صلاة لأجلي…
المحب : بوب فلنت
***
طويت تلك الرسالة التـي أرسلها لي بوب وأنا أبكي، فتلك هي أول رسالة يرسلها بوب إلى مدرستي، كان شوق قلب بوب أن يعمل مرسلًا دون أن يعرف إلى أين يذهب، ولكن في قلبه نيـران توصيل رسالة المسيح تتوهج بصورة هائلة.
أخذت أعبث ببقية الرسائل التـي تخصه، كلها إجابات في إصـحاحات دانيال، حتـى أنه حصل على أعلى الدرجات في هذه النبوة الصعبة، وكان هذا يبشر بأنه تلميذ نجيب من جهة الدراسة، ولكن عندما شرعنا أن نرسل له دراسة أخرى، أرسل هو رسالة يقول فيها:
– كنت أحب أن أكمل الدراسة ولكنـي دخلت الـجيش، وفي هذه الفتـرة التجنيد إجباري، ونحن مقبلون على حرب لا نعرف متـى ستبدأ ولا متـى ستنتهي، إننا كجنود لا نهدأ دقيقة واحدة طوال اليوم، سأرسل أخباري أولًا بأول وأكمل الدراسة بعد الانتهاء من فتـرة التجنيد.
وقتها اكتفينا بإرسال بعض النبذ التشـجيعية له في معسكره، ولكن بعد فتـرة قصيرة أرسل رسالة يحكي فيها ما يحدث له في الجيش، أخذت أقرأ السطور:
“إني أشعر أننـي في مكان مجيد، لقد بدأت العمل كمرسل، تقولون أنه الجيش، نعم… فأنا أشعر كأنني مرسل في الجيش، في هذا المكان الذي يأتي فيه شباب من جميع أنحاء الدولة، عددنا في المعسكر ثمانية عشر شابًا من بيئات مختلفة ومشاعر مختلفة، الخائف والمضطرب والامبالٍ والتائه، ومن يحب الموت لعدم وجود هدف يعيش لأجله، أو اليائس لعدم حصوله على عمل أو هوية، تلك المشاعر المتناقضة من شباب في مثل سني، جعل من فرصتي للشهادة بمحبة الرب متاحة، وها أنا أسعى لتقديم رسالة الإنجيل لهم، صلوا لأجلي.”
والرسالة التالية تقول:
“مضت ثمانية أسابيع على وجودي في الجيش، الجميع يقولون أن الحرب قد اقتربت، لكنـي أديت رسالتي مع أفراد فرقتـي السبعة عشر، لقد انتهيت من الصلاة معهم جميعًا، كلهم سلموا حياتهم واختبـروا محبة الفادي، وصرنا كنيسة صغيرة داخل المعسكر، تُسمع صوت التـرنيم والصلاة كل مساء، وكثيـرًا ما ينضم إلينا بعض أفراد الكتائب الأخرى، أرجو إرسال عدة آلاف من النشرات الخلاصية التـي تخبـر عن محبة يسوع، ربما أجد الوقت الكافي لاستخدامها، كما أرجو تدعيمي بالصلاة.”
وطويت تلك الرسالة والتـي هي آخر رسالة يرسلها لي ذلك المرسل الصغير بوب، والذي لم يتجاوز عمره بضعة أشهر بعد الثامنة عشر، ولكن حماسه وغيرته المقدسة كانت قدوة لنا.
خلعت نظارتي كي أمسـح عينـي التـي امتلأت بالدموع، وأيضًا شرعت أنظف تلك النظارة التـي أصابها ما أصاب عينـي، ثم أخذت أطوي الرسائل بعناية فائقة وأضعها داخل الملف الخاص بها، لأضعها من جديد في الأرشيف المخصص للرسائل، رجعت إلى مكتبـي وأنا أنظر إلى الجريدة التـي بها أخبار الحرب، وتحت عنوان: “من طرائف الحرب” أخذت أقرأ … عنوان غريب وغيـر مناسب، فهل في الحرب طرائف؟!! ما علينا، أخذت من جديد أقرأ الخبر الذي هو تحت ذلك العنوان:
“طائرة بدلًا من أن تسقط القنابل على أرض الأعداء، أسقطت منشورات تدعو إلى المحبة المسيحية … أصيبت طائرة حربية فوق ألمانيا النازية الملحدة، وانفتح باب الطائرة يتساقط منها الجنود القتلى، ومع هؤلاء الجنود سقطت آلاف الأوراق والمنشورات التي تدعو إلى المحبة المسيحية، وإلى قبول المسيح ربًا على الحياة، وما إلى ذلك من التعبيـرات الدينية التـي يرددها المتدينون المسيحيون، لتملأ بقعة كبيـرة من الأراضي الألمانية ويقرأها كثيـر من الجنود والشعب الألمان كما لو كانت رسالة آتية من السماء إليهم، أما جميع من كان في الطائرة فقد قُتل، وهذه أسماء من قُتل في تلك الطائرة ………”
كان من تلك الأسماء التـي قرأتها “بوب”، مات بوب، ولكن بعد أن حقق هدفه، لقد صار مرسلًا، وإلى من؟! إلى الأعداء! تمامًا مثل دانيال ويونان، وإن كان الأسلوب مختلفًا، مات الفتـى الشاب الحمال، الذي شغف بدراسة الكتاب المقدس وأحب يسوع بإخلاص، فكان هو نفسه رسالة محبة.
أمسكت بالمقص وأخذت أقص الخبـر، ومضيت إلى الأرشيف من جديد لأُخرِج الملف الخاص ببوب، ووضعت الخبر به وكتبت تلك الملحوظة:
“لن يستطيع بوب أن يكمل معنا دراسة الكتاب المقدس، لأنه الآن لم يعد يحتاج إلى مثل هذه الدراسة، بالتأكيد هو الآن يعرف ما لا نعرفه، وفي حياته القصيرة حقق كل أهدافه، ويهنأ الآن بالنجاح.

المصدر :كتاب السباق الأخير

للكاتب :عماد حنا

مواضيع تهمك
شارك اصدقائك