الممثلون

william

الممثلون

لم يكن دوري قد حان بعد وأنا أنتظر في موقف الباصات، كان أمامي اثنين آخرين على الأقل قبل أن يحين الوقت لكي يبدأ زبائني في الصعود إلى الباص، في هذا الوقت من النهار يكون عدد الزبائن قليل؛ إذ رجع الجميع من أعمالهم، فاستلقيت داخل الباص وأغمضت عيني كي أريحهما من تعب النهار، ولكن ما أن هدأت قليلًا حتى وجدت من يناديني:
– ميخائيل … ميخائيل!
هذا اسمي! نظرت فوجدت السائق إسماعيل يقف مع شاب في مقتبل العمر ووجهه أحمر من الخجل، ماذا يريد إسماعيل مني؟! لم يحن دوري بعد، فصرخت حتى يسمع:
– ماذا تريد يا إسماعيل؟
– طلبية خاصة، إنهم خواجات أقارب لك يريدون الذهاب إلى كنيسة ما في طهطا.
قلت في تثاقل، دون حتى أن افتح عيناي:
– ليس دوري.
– أعرف، هو دوري أنا ولكني لا أعرف الطريق، وهم لا يريدون التوقف عند الموقف فقط بل يريدونني أن أوصلهم عند باب الكنيسة، اذهب أنت وأنا سآخذ دورك.
– حسنًا
قلتها وبداخلي بعض الاستياء؛ لأني كنت أريد أن أغفو غفوة قصيرة في هذا الوقت، فانتظرت قليلًا بينما اتجه الشاب إلى عربتي، ويبدو أنه استحسن أن أقوم أنا بالتوصيل، قال لي:
– معذرة يا عم ميخائيل، أفسدنا نومك.
ضحكت في وجهه قائلًا:
– لا عليك أيها الشاب، أظن أنك لست وحدك.
– بالتأكيد، يوجد مجموعة من الأولاد الصغار عمرهم يتـراوح من 12 إلى 15 سنة.
بدا لي الأمر كما لو كان فيه خدعة لا أعرف ما هي، فتوصيل شباب الكنائس لا يخلو من بعض المراوغة في أمور معينة، لذلك أسرعت وأعلنت عدم استعدادي للمساومة، فقلت:
– لكني مرتبط بعدد.
– لن يزيد العدد كثيرًا إنشاء الله.
– حسنًا، هيا بنا.
وذهبنا إلى الكنيسة التي في سوهاج، وسرعان ما أصبحت عربتي كعلبة السردين، من داخلها معبئة بالأولاد والبنات، وفوقها أجهزة كثيرة لا أعرف ما هي، وتجاهلت هذا الأمر بعد أن وعدني الشاب ببقشيش سخي، واتجهنا لمدينة طهطا، الشاب الذي اتفق معي بجانبي، وشابة أخرى مع كثير من الأولاد والبنات في الخلف.
***
في الطريق حاولت أن أتجاذب أطراف الحديث مع الشاب، ولكن يبدو أنه مقل في حديثه، ولكن على من! لابد وأن يحكي معي، في البداية أخذت أتكلم أنا وهو يستمع إلي، كنت أقول له:
– ما أروعكم أيها الشباب الصغير وأنتم تعرفون طريق الكنيسة من هذه السن! أنا لا أذكر إنني ذهبت إلى الكنيسة إلا مرتين، مرة يوم المعمودية، وفي هذا الوقت كنت صغيرًا جدًا لا أعي شيئًا، والمرة الثانية عندما تزوجت.
– ————————–
– أعتقد أنه حتـى في المعمودية لم أذهب إلى الكنيسة، كان والدي يحب الموالد، فربما ذهبنا إلى “أبو شنودة” في المولد أو دير السيدة العذراء بالحواويش، هذا ما كان يحب أن يفعله أبي لكي يأخذ بركة هذه الأماكن.
أخذت أضحك، ونظرت له لأجده يبتسم ابتسامة صفراء باهتة، أوقفت الضحكة في حلقي، ولكني أكملت كلامي قائلًا:
– أما المرة التـي أذكرها بالفعل فهو يوم زواجي، وهذا حدث منذ ثمان سنوات، ولي طفلتين جميلتين و …
نظرت له، وجدته سارح ولم أجد أي تجاوب منه سوى ابتسامات باهتة فعدت أحاول من جديد:
– أتعرف؟ لن أكرر ما فعله والدي، سأشـجع بناتي على الذهاب إلى الكنيسة عندما يصلا إلى سن هؤلاء، بل أصغر، عندما يكبـرا قليلًا سأذهب بهن إلى الكنيسة، أنا لا أعرف شيئًا عن الله وعما يريده الله منـي، ولكنـي أحاول أن أرضيه بشتى الطرق، أنا لا أعمل شيئًا يغضبه، وقلبـي نظيف كاللبن الحليب، وأمانتي مشهود بها في الموقف كله، لذلك يحبنـي الجميع، ولولا محبتهم لما تنازل لي إسماعيل عن دوره.
ومرة أخرى لم أجد سوى الصمت، من هذا الشاب الممل، أم أننـي أنا الممل بالنسبة له؟! الطريق طويل، هل سنظل هكذا؟! نظرت إلى الأولاد والبنات من خلفي، كان كل واحد منهم لديه ورقة صغيرة يقرأها في صمت وهدوء، كانوا كالملائكة، ولكنهم كانوا خائفين بعض الشيء كما لو كانوا مقبلين على امتحان، ترى لماذا يذهبون إلى كنيسة في بلد آخر ويتكلفون مشقة الانتقال من مكان إلى مكان؟ أليست كنيستهم تكفيهم؟ ماذا ينون أن يفعلوا؟
مرة أخرى… حاولت أن أسأله:
– معذرة أيها الصديق، لم أعرف اسمك بعد.
– شادي.
– وأنا ميخائيل.
– سبق وتعارفنا، أهلًا بك.
وعاد الصمت، يا إلهـي! هل أتكلم مع أخرس؟! لكنـي لم أستسلم بعد، سألته:
– لماذا تذهبون إلى الكنيسة التي في طهطا، ليس الوقت وقت موالد، وكنيستكم غير معتادة على إقامتها، فلماذا تذهبون؟
– نحن نذهب كي نقدم خدمة.
– خدمة؟! ما هي؟ هل هناك شخص مريض تريدون زيارته؟
وعندها أدرك شادي أنه لن يستطيع البقاء صامتًا طوال الطريق، فقال:
– كلا، إننا فريق نقدم عظات بطريقة جديدة، تحتوي على ترانيم وتمثيل بعض المواقف من الكتاب المقدس، نقدمها في كثيـر من الكنائس، والآن جاء الدور على الكنيسة التـي في طهطا.
نظرت إلى الأطفال وقلت:
– حقًا ما أجملهم! وأنا الذي أذهب عشرات المرات يوميًا من سوهاج إلى طهطا وبالعكس، لم أفكر في الذهاب إلى الكنيسة في سوهاج أو في طهطا.
قال الشاب والخجل مرتسم على وجهه:
– أنت سوف توصلنا إلى الكنيسة، بدلًا من أن تنتظر دورك في الموقف، لماذا لا تدخل وتحضر الاجتماع وترجع بنا إلى حيث جئنا؟ سوف نضاعف الأجرة طالما ركبنا ذهابًا وإيابًا.
– هل يمكنني هذا فعلًا؟ هل يمكنني حضور اجتماعكم؟
– بالتأكيد يا عم ميخائيل تستطيع الحضور.
فرحت وأطلقت ضـحكة سعيدة، وأخذت أصفر لحن أغنية شهيرة، ثم أوقفت صفارتي خجلًا من هؤلاء الملائكة الصغار، ولكن فجأة تذكرت شيئًا هامًا فقلت لشادي:
– ولكن الكاهن، إذا عرف أني دخلت هذه الكنيسة سوف يحرمنني ، قال شادي ضاحكا، وقد زال خجله:
– ومن سوف يقول للكاهن؟ ثم أنت أصلًا لا تذهب إلى الكنيسة، ولا يوجد أي كاهن يعرفك.
– بل كلهم يعرفونني جيدًا، صـحيح لم يفكر أحدهم في دعوتي لدخول الكنيسة، رغم أني صباح كل أحد أقف على باب الكنيسة أنتظر الركاب، ولكنـي لم أفكر في دخول الكنيسة ولم يفكر أحد في دعوتي، ولكني على كل حال سأدخل، فمن سيقول للكاهن؟
***
ووصلنا إلى طهطا، وسرعان ما دخل الأولاد في نشاط كبيـر إلى الكنيسة، وفي صمت بدأوا ينشئون مسرحًا صغيرًا، وبدأت في مشاركتهم وأنا سعيد جدًا، إذ شعرت أن لي أهمية في بيت الرب، وقد بدا لي أن هؤلاء الصغار هم محترفون في عملهم، وشعرت بالفرحة تغمرني فقلت:
– أوه … كما هذا العمل جميل.
وسمعت الشابة كلماتي فقالت مبتسمة:
– وعندما ترى الخدمة سوف تفرح أكثر يا عم ميخائيل.
– وحتـى إذا كان لا يوجد خدمة، شعوري أني أرضي الله بأي وسيلة شيء رائع أحتاجه دائمًا، إني أحسدكم لأنكم عائشون للرب طوال الوقت.
***
وبدأت الكنيسة تمتلئ بالحضور، وجلست في آخر مقعد؛ إذ شعرت بأني لا أستحق هذا الشرف، وبدأت الخدمة، و يا لها من خدمة! شعرت أني في السماء! ترنيمات جميلة وأصوات ملائكية وأولاد وضعوا أنفسهم في خدمة الله، لم أكن أعرف كيف أرضي الله.
في البداية، عرفت ما فعله الله من أجلي من خلال الترنيمات والتعليقات التي كانت بينها، وأيضًا من التمثيليات التي مثلوها والتي رأيت من خلالها يسوع مصلوبًا لأجلي.
كثيرًا ما سمعت عن صليب يسوع، ولكني لم أعرف أنه لأجلي إلا اليوم، حقائق كثيرة يتغاضى عنها الإنسان، ولكن عندما تبرز أمام عينيه، يشعر بأهميتها وأيضًا يشعر بروعتها .
وبعدها وقف الشاب وسأل الحاضرين ذلك السؤال: “كيف نرضي الله؟”، نعم… هذا هو السؤال الذي أبحث له عن إجابة طوال عمري، كنت أحاول إرضاءه بأعمال كثيرة، ولكن في داخلي أشعر بأن هذه الأمور غير كافية للوصول لمرضاة الله، يوجد شيء ناقص، ولكن لم أعرف ما هو ولم أعرف كيف أكمله.
وكانت الإجابة على لسان الشاب، إذ قال:
– الله لا يريد أعمال، وإن كانت مهمة، ولكن الله يريدك أن تعمل من خلاله، أن تسلم نفسك بالكامل له، وأن تثق أنك بين يدي الله وهي أيدي أمينة عليك كما وعد، ومن خلال سُكنى روح الله في داخلك يكون العمل، وهذا التسليم يُسمى… الإيمان، وبدون إيمان لا يمكن إرضاء الله، هكذا يقول الكتاب المقدس، وبعد هذا الإيمان، دعه هو يعمل من خلالك، أعمالك مهما كانت فهي ناقصة بدونه، أما من خلال مشيئة الله فهو يُكمل كل شيء.
قلت في نفسي: ” ولكن كيف أسلم حياتي؟”، فكان الرد أيضًا على لسان ذلك الشاب:
– صلي له الآن … بتوبة اطلب أن يستلم الله حياتك بالكامل، الآن هي لك أنت، لكن قل له: “يا رب، أنا بدونك ضائع وخاطئ، أتوب عن أخطائي وعن ماضي كله، وأعطيك حياتي بالكامل، حياتي لك”.
وفعلت ما قال، بتوبة صادقة ولهفة حقيقية كي أرضي الله، وشعرت بجمال الله ومحبته وعظمته.
قال الشاب:
– إن سلمت حياتك لله صرت ابنًا له.
إذن فقد صرت ابنًا لله، يا له من مجد عظيم، أردت أن أحتضن شادي، بل وأحتضن إسماعيل السائق الذي أخذت مكانه؛ لأنه أراني شيئًا لم أكن أعرفه، ولكني كنت أبحث عنه دائمًا، وجعلني في مرتبة لم أتخيلها، أن أكون ابنًا لله.
ولكن بداخلي أسئلة كثيرة، ومعلومات أريد أن أعرفها، عند رجوعهم سوف أسألهم الكثير وأعرف مواعيد اجتماعاتهم وأواظب عليها حتى أعرف الله أكثر وأعيش له أكثر.
***
وانتهت الخدمة، وفي نشاط ذهبت إلى الأولاد أهنئهم، وكان الجميع يفعلون ذلك، وكان سرور الأولاد واضحًا، ولهم الحق؛ فهم يخدمون ملك الملوك، اتجهت إلى شادي وسلمت عليه بحرارة، قال شادي لي:
– هل أعجبتك الخدمة يا عم ميخائيل؟
– أجل، ولقد اتخذت قرارًا هامًا في …
قاطعني:
– وما رأيك بالأصوات، هل كانت جميلة؟
– جدًا، ولكني أردت أن أسأل…
قاطعني من جديد:
– تعال … تعال معنا يا عم ميخائيل، يوجد مشروب وسندوتش، لنأكل ونشرب ونرحل، لقد تأخرنا، ويجب ألا نعطلك أكثر من هذا.
– أنتم لا تعطلوني، ولكن …
تركنـي ومضى، ولكنـي لن أتركه إلا وأفهم كل شيء، أخذت أنظر إلى المكان، وجدت في الركن مكتبة صغيرة فذهبت إليها، وجدت شاب ابتسم لي عندما أقبلت عليه وقال:
– هل تريد تسجيلًا للعظة مع الترانيم؟
– بل أريد الإنجيل المقدس، أريد أن أقرأ كلام الله.
– هل تريد العهدين أم العهد الجديد فقط؟
– لا أفهم.
– هل تريد الكتاب المقدس كله أم العهد الجديد فقط؟
أيضًا لم أفهم، ولكني قلت:
– أريد أن أقرأ عن ما فعله المسيح من أجلي وماذا يريد مني.
حينئذ أعطاني كتاب العهد الجديد، فتحته لأجد عبارة أنجيل متـى، شعرت بسعادة وأعطيته ثمنه، واتجهت إلى العربة أنتظر الفريق.
***
من هؤلاء الذين يركبون معي العربة الآن؟! هل هم نفس الأشخاص الذين كانوا معي ونحن ذاهبون إلى الكنيسة؟! لماذا اختلفوا الآن؟ أين الملائكة المصلين المنتظرين خدمة يسوع؟ أكيد ركب معي أولاد آخرون لم يعرفوا يسوع ولا يعرفون خدمته.
الصوت العالي، وأولاد يصفقون ويغنون أغاني مبتذلة وإعلانات تلفزيونية غريبة.
قلت لشادي:
– هل هؤلاء هم من أتوا معنا أم ركب آخرون؟!
قال شادي ضاحكًا:
– بل هم!
سألته:
– لماذا لم يكن صوتهم ظاهرًا عند ذهابنًا؟
– لقد كانوا خائفين إذ كانوا مقبلين على خدمة، أما الآن وقد انتهت، فهم يعبرون عن فرحتهم.
– يعبـرون عن فرحتهم هكذا؟! أين الترنيمات الجميلة التـي كانوا يترنمون بها؟
خجل شادي وحاول إيقافهم، ولكنه كلما حاول ازدادوا أكثر، فقلت له:
– اتركهم على راحتهم، فما هو موجود داخل القلب، لابد وأن يظهر على اللسان.
وبقيت صامتًا وخجلًا طوال الطريق، لم أستطع أن أسأل أي سؤال، ماتت الأسئلة داخلي، تمامًا كما ماتت الفرحة التي اعترتني منذ قليل.
وصلنا إلى الكنيسة التي في سوهاج، نزل شادي وقال:
– شكرًا يا عم ميخائيل، هل لديك تليفون بحيث نستأجر الباص كلما أردنا الذهاب إلى خدمة؟
قلت له:
– عندما تذهب إلى ما تسميه خدمة، اذهب إلى موقف الباصات وخذ الباص الذي عليه الدور ولا تدع السائق إلى حضور الاجتماع، أما إذا دعيته، فلكي يستفيد من خدمتكم عليك ألا ترجع بنفس الباص.
قال شادي مستغربًا:
– لماذا؟! هل آذيناك في شيء؟
– وأي أذية، على العموم، إني لا أعتـرض على شيء، إنكم يا عزيزي ممثلون محترفون، تتقنون عملكم جيدًا، حتى استطعتم أن تقنعوني، ولكن بعد انتهاء العمل، ترجعون إلى حياتكم العادية، والتـي هي أسوأ من حياتي، خدعتموني فظننت أن ما تقولونه هو أيضًا حياتكم، ولكني كنت مخطئًا، إني أشكركم لأنكم أنرتم عينـي على شيء كان ينقصني، وأنا لا أنكر أني تعلمت منكم كثيـرًا عندما فتحتم إنجيلكم وتكلمتم من خلاله، والآن علي أن أمارس ذلك الذي تعلمته وحدي، فهذا أفضل، أو أن أبحث عن شـخص يعرف كيف يعيش ذلك الكلام فيعلمنـي إياه، سامحكم الله.
وتركته ومضيت لألحق بدوري في الموقف.

المصدر :كتاب السباق الأخير

للكاتب :عماد حنا

>

مواضيع تهمك
شارك اصدقائك