المواطن والمسؤول

Roma
  المواطن والمسؤول

  المواطن والمسؤول

  فنَّانٌ مُبدعٌ جدًّا في صناعة التماثيل، وكان معتادًا أن يُقدِّم فنه باستخدام الإمكانيات المتاحة لديه. لذلك،

  كان يستخدم تلك المواد التي يستغني الناس عنها، ومن ثَمَّ نجده دائم العبث بالقمامة للحصول على تلك المادة الخام المجانية التي يحصل عليها من النفايات.

ولأن عمله الفني لا يُكلِّفه الكثير من النقود، فقد كان دائمًا ما يعرض أعمالهش الفنية بمقابلٍ بسيط،

 ويكتفي بمكسبٍ ضئيلٍ جدًّا.

في يومٍ من الأيام، واجه هذا الفنَّان مشكلة كبيرة مع أحد المسؤولين، لقد استخدم هذا المسؤول سلطته أسوأ استخدامٍ في إذلال هذا الفنَّان. ولأن هذا الفنَّان لا يملك الطريقة التي يواجه بها المسؤول ويعترض عليه، وفي الوقت نفسه يشعر في داخله بكثيرٍ من المرارة، أراد أن يردَّ للمسؤول ما فعله في حدود قدراته المحدودة.

وبأسلوبٍ بسيط، فكَّر في طريقةٍ تُوصِل الرسالة إليه، وظن أن هذا لن يُعرِّضه للأذى، فماذا فعل؟

قام الفنَّان الموهوب بصنع مجموعة من التماثيل؛ لها شكل ذلك المسؤول، وألبسها زِيَّه الرسمي.

وعلى طاولةٍ صغيرة، وضع مجموعةً منها بالقرب من مكتبه، ووقف قرب المكتب الذي شعر معه بالإهانة،

وبدأ يُنادي بصوتٍ عالٍ: المسؤول بدولار! المسؤول بدولار! تعالَ اشترِ المسؤول بدولار!

صوت الفنَّان عالٍ، كان هدفه أن يسمع مَن في داخل المكاتب صوته،

وقد اختار أن يقف بالقرب من النافذة التي يُمارس فيها المسؤول وظيفته. سمع المسؤول صوته، لينظر من النافذة ليجد طاولة عليها تلك التماثيل الجميلة لشكل المسؤول، ففرح بها كثيرًا.

وبسرعة، خرج المسؤول من مكتبه إلى الشارع ليجد الفنَّان قد رتَّب التماثيل بإتقان؛ مجموعة من التماثيل لمسؤولين في زيِّهم الرسمي، والذي يُشبه كثيرًا الزي الذي يرتديه المسؤول صاحبنا.

وبدأ المسؤول يُقلِّب التمثال في إعجابٍ ويتأمَّله، ثم سأل الفنَّان: هل أنت من صنع هذا التمثال؟

نظر الفنَّان إليه بخُبثٍ وقال: أجل يا سيدي! أنا من صنعته، ووضعت له قيمةً وشكلًا، وبدوني لم يكن له وجود.

المسؤول لم يزل يُقلِّب في التمثال بإعجابٍ شديد، ولكن تلك العبارات التي سمعها شعر أن بها إسقاطًا ومعنًى لم يُعجبه مطلقًا، ولكنه كذَّب كل مشاعره السلبية هذه وسأل: وبكم سعر الواحد؟

قال الفنَّان بفخر: فقط بدولارٍ واحد.

كان المسؤول قد سمع سعره وهو في مكتبه، ولكنه لم يُصدِّق مطلقًا أن هذا التمثال الفني العظيم هو نفسه الذي يُباع بدولار، فقال مستغربًا: معقول؟! دولار واحد فقط؟ لماذا هو رخيص؟

كان الفنَّان ينظر إلى محدِّثه بهدوءٍ شديد، ولكنه كان يزن كلماته جيدًا فقال: كان المفروض أن يكون غاليًا، لأنَّه غالٍ من الناحية الفنية، ولكنني قررت ألَّا أُقيِّمه بحسب الفن المبذول فيه. لقد حسبت فقط قيمة المواد المصنوع منها، لأني رأيت أنَّه لا يمكن أن يُساوي أكثر من المواد المصنوعة، والتكلفة لا تزيد عن دولارٍ واحد فقط.

نظر المسؤول للفنَّان، ومن جديد شعر بلغةٍ تحمل الكثير من المعاني في كلماته،

ومن جديد تجاهل مشاعره وسأل: صنعته بمواد رخيصة؟ من أي مادة كوَّنته؟

  •  ماءٌ ورملٌ و… قمامة.

ما إن سمع المسؤول الكلمة الأخيرة التي قالها الفنَّان بمنتهى البساطة حتى جنَّ جنونه، فاعتقل الفنَّان وجرَّه إلى الحبس ليُضرَب ويُهان! وعندما أطلقوا سراحه؛ أطلقوه على شرط ألَّا يصنع التمثال، ولا يبيعه مرة ثانية. 

ليُغادر الفنَّان الحبس، وعلى الرغم من تلك الإهانة، إلَّا أنَّه شعر ببعض الراحة، ولكنه قرر أن يُكمِل رسالته إلى النهاية.

لذلك بعد فترة، رجع الفنَّان إلى المكان نفسه، ومعه مجموعة من التماثيل، ونادى: المواطن بمائة دولار! تمثال المواطن هنا بمائة دولار!

ومن جديد سمعه المسؤول ليخرج من مكتبه مرة أخرى، ليظن أن الفنَّان قد استوعب الدرس جيدًا، فاقترب منه وسأله: بكم سعر تمثال المواطن؟

قال الفنَّان بفخر: بمائة دولار. إنَّه يستحق أكثر من هذا، لكني سأكتفي بهذا السعر حتى يستطيع الناس أن يقتنوه.

قال المسؤول بفخر: ممتاز؛ لكن الشكل لا يختلف كثيرًا عن التمثال السابق باستثناء الزي الشعبي الواضح الذي ألبستَه إيَّاه. كنتَ تبيع التمثال الآخر بدولارٍ واحد… لماذا هذا التغيير؟

  •   لقد أضفت له ثمنًا إبداعيًّا، إنَّه يستحق هذا.
  •    حسنًا فعلت، ولكن من أي خامٍ مصنوع؟

قال الفنَّان: من ماءٍ ورملٍ يا سيدي!

قال المسؤول متسائلًا: ماءٌ ورملٌ فقط؟… ولماذا لم تُضِف النفايات التي كنتَ تُضيفها في خَلطة التمثال السابق؟

فردَّ الفنَّان بالهدوء نفسه: إذا وضعنا قمامةً بالخلطة لن يصبح مواطنًا،

ولن أستطيع أن أضع فيه ثمنًا لإبداعي يا سيدي.

  •   لن يصبح مواطنًا؟! ماذا سيصبح إذًا؟
  •   يُصبح مسؤولًا، يا سيدي!!! وسيكون ثمنه دولارًا واحدًا فقط.

الكاتب/ عماد حنَّا 

مواضيع تهمك