عيونٌ تتلاقى
Roma

عيونٌ تتلاقى
كلَّ يومٍ كانت تذهب إلى عملها الذي كان على بُعدِ بضعِ ضواحٍ من ضاحيتِها الصغيرة. لذلك،
كانت مُضطرَّة كلَّ يومٍ أن تستقلَّ قطارَ الضواحي لكي تذهب إلى عملها. كانت تفعل ذلك كلَّ يومٍ حتى صار القطار جزءًا منها. تتَّجه إلى القطار الذي يتحرَّك في تمام الساعة السادسة صباحًا، بعددٍ محدودٍ من الركاب، فكانت تنتقي كرسيًّا بعينه، اعتادت أن تجلس عليه بالذات، لدرجة أنَّ محصِّل القطار كان يرى كلَّ يومٍ في الأماكن نفسها تقريبًا الركاب أنفسَهم، بل ويفتقدهم إذا غابوا.
كانت تجلس بجوار النافذة، ويبدأ القطار في التمختر بين المزارع كبطَّةٍ بلديَّة، وهي تنظر من النافذة، وتعيش في عالمها الخاص، بينما كانت المناظر تُسافر عكس اتجاهها ببطءٍ وهدوء.
كلَّ يومٍ المناظر نفسها، الصور نفسها إلى أن حفظتها بنفس ترتيبها، بل إنَّ أيَّ تغييراتٍ في تلك المناظر كانت تعرفها، فتعرف مثلًا أنَّ يوم الثلاثاء هو يومُ السوقِ في ضاحيةٍ معيَّنة، وأنَّ تجار الحرير يجتمعون على شريط السكة الحديد كلَّ أحد. بينما هناك سوق يسمُّونه سوق (الحراميَّة) كلَّ جمعة في ضاحية أخرى، ممتلئٌ بالأجهزة الكهربائيَّة التي عفا عليها الزمن، ولكن لها زبونها المتلهِّف لها.
مع الوقت، لاحظت بيتًا معيَّنًا، يُشبه ذلك البيت الصغير الذي في البراري، وبسرعةٍ انضمَّ ذلك البيت لدائرة اهتماماتها، كانت كلَّ يومٍ تنتظره، وتتفرَّج عليه.
بل وأثناء تمختر القطار بالقرب منه، كانت تسرق لحظاتٍ قصيرة تختلس فيها النظر إلى سكانه…
وسكان هذا البيت كانوا أسرةً صغيرة، رجلًا وامرأةً من الواضح أنَّهما متحابَّان، تقتحم حياتهما لثوانٍ وقت إفطارهما على (طبلية) خارج المنزل. من الواضح بالفعل أنَّهما متحابَّان، إذ يتشاركان إفطارهما معًا في ودٍّ ومحبَّة، ومودَّة… كلَّ يوم.
آه!
كانت تتمنَّى لو تتلاقى عيونها بهم، بل وتعيش حياتهم السعيدة، عوضًا عن معيشتها مع زوجٍ مُناكِفٍ لا يحبُّها كلَّ يوم. تهرب منه بعملها، وتتمنَّى ألَّا ينتهي الدوام أبدًا حتى لا ترجع إليه. لكنَّها، مجرَّدُ أمنياتٍ عبثيَّة.
لنُغادر قطار الضواحي، ونذهب إلى ذلك البيت الصغير الذي في البراري، لنجرب أن نزور تلك العائلة المتحابَّة، فماذا نجد؟
في البيت كانت تجلس الزوجة والزوج، في صمتٍ تام، يتأمَّلان القطارات التي تذهب وتجيء بمنتهى السرعة.
ووقت الإفطار بالذات، كانت الزوجة وزوجها يتأمَّلان ذلك القطار الذي يسير الهوينى،
ينظران إلى الركاب المتناثرين في نوافذ القطار ويحسدونهما.
أجل، كان الزوج والزوجة يحسدان المسافرين، لأنَّه ببساطة كلُّ واحدٍ منهما يتمنَّى لو يرحل،
يتمنَّى لو يركب القطار لأيِّ مكان.
لقد كان الزوج والزوجة يعيشان في مرارٍ لا ينتهي… بعد أن فقدا فلذة كبدهما الوحيد في حادثٍ موجع.
عند بداية المُصاب، حاولا أن يواسيَا بعضهما البعض، ولكن لا فائدة، كانا يرفضان أيَّ تعزية.
آه!
ربَّما لم تتلاقَ العيون مع تلك السيدة التي تحسدُهما، لكن تلاقت ا
لرغبات وهما يقولان: ليتنا نسافر ونهرب في ذلك القطار تاركَيْن هذا المكان الكئيب.
كلَّ يومٍ يمرُّ القطار… العيون تتلاقى والمشاعر تتلاقى، وأيضًا الأحلام والأمنيات تتلاقى،
وبعدها يُغادر القطار وكلٌّ واحدٍ على حاله.
الكاتب/ عماد حنَّا