الميت الحى

william

الميت …… الحى

 

ربما يأتي الوقت الذي تشعر فيه أنك فقدت كل شيء، وأنك مُكبل بكل قيود الدنيا، وأنك مشلول، ربما يأتي اليوم الذي فيه تشعر أن كل الناس تركوك، وأنك صرت وحيدًا تمامًا، إذا جاءك هذا اليوم وشعرت بكل ذلك، اعلم أنك مخطئ، ستجد أنه لديك الكثير، أو قل … لديك الكافي لتبدأ من جديد، لا تستسلم لليأس أبدًا، فاليأس هو البديل الرسمي لكلمة، ميت…
يبدو أن الصباح قد هل علينا؛ فها هي زوجتي تنهض كعادتها كل يوم، إذن فالساعة الآن السابعة صباحًا، سوف تفتح النافذة لتغير من هواء الغرفة وتقول لي باسمة:
– صباح الخير يا شادي.
وكعادتي لن أستطيع أن أبتسم لها، أو أرد تحيتها الجميلة، نسمات الهواء الباردة تلسع وجهـي، فأشعر بقشعريرة تسري في جسمي، ولكنـي لا أستطيع أن أطلب منها أن تغلق النافذة، فهذا ليس في مقدرتي، وأيضًا ليس من حقي حتـى ولو كان في فتح النافذة ضرر لي، فكيف لها أن تعلم وأنا لا أستطيع أن أعبر عما بداخلي ؟؟!!!
الآن سوف تتركنـي وحدي في الفراش وتذهب بمنتهى النشاط دون أن أعرف أين تذهب، تغيب نحو ساعة – أو هذا ما يبدو لي- ثم أسمع خطواتها قادمة وهي تجر منضدة بعجلات مركونة دائمًا في الصالة، وتستخدمها في هذا الوقت من النهار.
ومن صوت حديد العجلات أعرف أن ميعاد الإفطار قد حان، وأنها تفسـح الطريق لقدومي إلى الصالة، وسرعان ما تأتي إليّ، تجلسني بعد عناء على الكرسي المتحرك وتخرج بي إلى الصالة ليبدأ يوم جديد بالنسبة لي.
يوم جديد؟ … من الصعب أن أصفه بالجديد، فاليوم الجديد هو اليوم الذي يأتي على الإنسان بشيء جديد، ولكن كل أيامي تتشابه منذ تلك الحادثة المشؤومة التـي أصابتني بهذه الإصابة، انتهت زوجتـي من إطعامي الإفطار وبعدها لم تعرف ماذا تفعل بي، فتركتنـي على وضعي وذهبت لتختفي مرة أخرى، وأنا بدوري لم أعرف ماذا أفعل، لقد أنتهـى طعام الإفطار سريعًا ولا أعلم ما الذي يمكن أن أفعله بعد هذا.
على الرغم من بقائي على هذا الوضع فتـرة ليست بقصيرة، إلا أننـي لم أعتد أبدًا على وضعي هذا، أن لا أعمل شيئًا وأظل بهذا الشكل شيئًا بغيضًا، وربما لهذا السبب ظنوا أني يمكن أن أحاول الانتحار، حتـى أتخلص من هذا الملل، ولكن … لست أدري في الواقع لماذا يظنون أني قد أحاول الانتحار، ويخافون من محاولاتي المزعومة … تنظر إلي أمي في شفقة، تبعد عنـي أي شيء يمكن أن أستخدمه في الانتحار، بينما أنه من المضـحك أنني لا أستطيع أن أستخدم أي شيء، فكل شيء يفعلونه هم لأجلي؛ إننـي لا أشعر حتى بأطرافي، فكيف لي أن أنتحر؟!!
أغمضت عيني وسرحت في حالي الذي صار، جاءت زوجتي مسرعة وهي تقول :
– ربما يريد أن ينام.
لست أدري لماذا تكلمني بصيغة الغائب رغم أنني أمامها، فتحت عيني لأقول لها أنني لست نائمًا ولا أحب أن أنام في هذا الوقت الجميل من النهار، ولكنها كانت قد اتخذت القرار فعلًا، ووضعت البطانية على جسدي لتدفئني، يا إلهي! تبًا لهذه البطانية التي تزعجني، ولكني لا أستطيع أن أعبر عما أريده، حسنًا، سوف أستسلم لهذه البطانية كما استسلمت لكل ما مر بي، أنني فقط لن أتقاعس عن محاولتي بإمساك طرف الكرسي، أريد أن أشعر بملمسه، وأتشبث به، فالطبيب قال أن بداية شفائي هو إحياء الشعور في أطرافي، ففي إحساسي بيدي فقط بداية لاستجابتي للشفاء.
بينما يدي تحاولان كان ذهني بدوره يعمل بشدة، لكن إلى الآن لا أجد استجابة، يبدو أن طريق الشفاء طويل، ولكني لن أجعله أبدًا طريقًا مستحيلًا، لن أخضع لليأس أبدًا، على الرغم أنه لا أحد يحاول أن يحثني علي محاولة الشفاء، كما لو كانوا قد استسلموا لهذا الوضع الذي أنا عليه، هم فقط يريدون أن يفعلوا ما هو صالح لي دون أن يجعلوني أحاول هذا، أو أقتنع بهذا، وهذا ما أرفضه .
صوت زوجتي يعلو:
– أنت أفضل اليوم، أنظر إلى وجهك بعد أن حلقت لك ذقنك! أنت الآن أفضل من ذي قبل.
في الواقع أنا لم أكن أشعر بها أصلًا وهي تحلق لي ذقنـي، ولم أكن أحب ذلك، وأيضًا هي نسيت أو تناست أن تأتي لي بالمرآة التـي بها أستطيع أن أرى هذا الشكل الذي ادعت أنه أفضل من ذي قبل 
عدت أغمض عينـي من جديد، فهكذا قرروا إني أريد النوم … لكن ذهني مستيقظ ويداي تحاولان مع حافة الكرسي دون جدوى، سرحت…
بدأت مشواري مع العجز عندما أتصل شريكي في العمل بوالدتي، وصوته الصارخ يأتي عبر الأسلاك يجلجل في أذنيها:
– شادي متورط في تجارته ويخسر، ويستدين ولا يستطيع أن يوفي، وسوف يجرني معه إلى الإفلاس .
صرخت والدتي منزعجة:
ماذا تقول؟!
– أقول إنه استدان من صديقه “كريم” بدون علمي أنا شريكه، ويأخذ من أموالنا معًا، ويعطي له فوائد ضـخمة، ولما تكاثر عليه الدين أخذ يماطله في الدفع، وكريم يطالبه الآن بسداد أصل المبلغ، ماذا أفعل الآن وبينـي وبين كريم مصالح سوف أفقدها بسبب هذا الأرعن؟!
تلك كانت بداية القصة، ونهايتها أيضًا، لم يكونوا مخطئين في الظن؛ فقد كنت فعلًا أخسر في تجارتي، ولكن المشكلة الحقيقية أني كنت أسعى للانفصال عن شريكي وأبدأ في تجارتي الخاصة بعيدًا عنه، لقد كان يختلف عني كثيرًا في أسلوب التجارة، وفي مبادئ خاصة بالأمانة، وأردت أن انفصل عنه، وكانت هذه هي المشكلة الحقيقية، لذلك ردة فعله تجاه قراري هذا هي التي أثرت علي كثيرًا.
فجأة … بدأ يطاردني كأنه هو صاحب الدين، يحاكمني في عملي، يحاكمني ليس بهدف المساعدة ولكن لمجرد إثبات إني أخطأت … وبسرعة وجدته يتصل بمن أتعامل معهم، ويقص عليهم قصتي مع صديقي “كريم” … ويطلب منهم ألا يساعدونني بأي شيء حتى لا أستمر في هذه التجارة الخاسرة … ومع سلسال من الأكاذيب استفحل الأمر.
وفجأة بدوت أمام أهل المدينة كلص ينهب أموال الناس علي الرغم من سمعتي التي كانت جيدة، خاف كثير من التجار على أموالهم، وبدأوا يطالبوني بسرعة الرد بجنون، بل تناقل كلام كثير على لساني لم أقله، وفجأة اتسعت دائرة المطالبات بصورة غير متوقعة، ولم أستطع أن أفعل شيئًا، وأصبح الأمر إما أن أعود لشريكي، أو أغرق بمفردي.
– شادي … أنظر إليّ … هل تعلم أن صديقك “شكري” اتصل بك من القاهرة؟ إنه يريد أن يطمئن عليك، يقول لك أنه لم يشك أبدًا في أمانتك، وأن هذه العاصفة مهما طالت ستنقضي، هذا صديق مخلص يا شادي.
كانت زوجتـي تريد أن تخرجنـي من دوامة تفكيـر كادت تقتلنـي، فمدت يدها الحانية تمسـح دمعة انسابت من مقلتـي، ليس من حقي أن أمسـح دموعي بنفسي، أيضًا ليس من حقي أن أتركها تسيل … نظرت لها، كانت تبتسم، الوحيدة التي ظلت تبتسم في وجهي حتي بعد أن سُلب مني كل شيء، عملي … إرادتي … حركتي … قالت لي:
هل تريد أن تذهب إلى الشرفة؟
بالطبع ليس لي صوت أرد به عليها، ولكنها اتخذت قرار الذهاب سويًا إلى الشرفة، وبدأت تحكي لي، كانت تسلي نفسها وتظن أنها تسليني، لكنـي لم أكن أسمع، كنت لا أزال أعيش تلك الأيام البشعة … كنت أعرف إنني أغرق، فلجأت إلى الاستدانة كي أنقذ ما يمكن إنقاذه، ولجأت ضمن من لجأت إلى صديقي كريم، كانت صداقتي له قديمة جدًا، ومخلصة جدًا، وعندما حل وقت الوفاء، قلت له أن يصبر … وصبر، أعطاني مهلة واثنتين وثلاث، حتـي كاد صبره ينفذ، خصوصًا أنه مقبل على مشروع زواج ويحتاج إلى كل قرش، ماذا أفعل؟
ذهبت إلى تجار أكبر أسألهم النصيحة، وعلى نصيحتهم بدأت توفيق أوضاعي، وبدأ بصيص من الأمل يظهر، ولكن شريكي الذي أصررت أن أنفصل عنه ضربني ضربات قاضية انهت كل شيء، أعلن إفلاسي فجأة.
انتهى ذلك البصيص من الأمل، وانتشر الخبر في بلدتنا الصغيرة، تليفونات سريعة أذاعت الخبر علي كل البلدة، وفي يوم واحد صدقت بلدتنا خبر إفلاسي، وبيع ما تبقى من تجارتي، فحققت مطالبات التجار النتيجة بسرعة، ليحدث الإفلاس سريعًا.
لست أدري كيف حدث هذا، وجدت نفسي مشلولًا، ميت مع كوني حي، بسبب خوفهم على مصالحهم، شعرت بعمق المحنة، انسحب مستقبلي مني، لم يقف بجانبي غير زوجتي بدون أي عتاب أو تأنيب، بل بتشجيع كبير، واستقبلت سخافات أصدقائي

واتهامهم بل و سبابهم بصبر.
أمي أيضًا وقفت بجانبي، ومن معاشها الصغير جدولت الكثير من الديون، لكي أخرج من المحنة.
في الواقع أنا لم أكن تاجرًا ماهرًا، ولكني لم أبدد أبدًا أموالي على الزواني أو في المسكر أو القمار، ولكني بدأت تجارتي دون خبرة، ففي أيام دراستي كان أصدقائي يذهبون في الصيف لكي يعملوا في أي مجال، بينما كانت أمي ترفض هذا تمامًا … لذلك كان أول عمل أعمله هو هذه التجارة … ولعدم الخبرة صارت تجارة فاشلة.
قصة عجيبة كل يوم أتذكرها … قصة الميت الحي، يظنون أن اليأس نال مني، وسيكون مصيري الموت، بيدي أو بيد غيري، لكنهم مخطئون، فأنا لا أيأس أبدًا، إني أملك الكثير.
وعندما خرجت إلى الشرفة نظرت إلى السماء، تخيلت ذاك الذي أعطاني كل شيء، فسلمت له أمري، ولكنه سمح بكل هذه التجارب تحيط بي، تخيلته ينظر إلي من وسط السحاب يبتسم لي مشجعًا رغم سوء ظن الجميع بي.
تمنيت في هذه اللحظة أن أستطيع السجود والدعاء له، ولكني لم أستطع، فصرخت في صمت:
إلهي، ما يزرعه الإنسان إياه يحصد، أنا أعلم هذا، وربما هذا هو حصادي، لكنك أنت الذي تعطي للميت حياة، ربما فقدت عملي، وفقدت كثير من هؤلاء الذين كنت أسميهم أصدقاء.
أشكرك إلهي لأني لازلت أملك الكثير، أملك زوجة مشجعة مضحية، وأم مساعدة محبة، وصديقًا واحدًا ظل بجانبي، ونفسًا في داخلي لا يزال يتردد، ربما هذا كل ما أملك، وبهذا الذي أملكه سأبدأ من جديد.
أنهيت دعائي.
وبدأت محاولتي الجديدة في أن أضغط على الكرسي،
ولأول مرة أشعر بألم في يدي، أضغط فأشعر بملمس غريب منذ فترة توقفت عن الشعور به.
أشعر بالكرسي بين يدي … واليوم،
ولأول مرة، شعرت أن أعصاب يدي دبت فيها الحياة.

المصدر: كتاب السباق الأخير

للكاتب :عماد حنا

مواضيع تهمك
شارك اصدقائك